Fish

أخبارعالمية

Loading...

الخميس، 13 يناير، 2011

خصائص الأخلاق في السنة النبوية ووسائلها




الفصل الخامس

خصائص الأخلاق في السنة النبوية ووسائلها







تمهيد:

تتميز الأخلاق في السنة النبوية بخصائص ومميزات بناءة وإيجابية متعددة، تقصر دون بلوغها الأخلاق في غيرها من السنن والشرائع، والفلسفات والنظريات القديمة والحديثة.

ولعل من أبرز هذه الخصائص والمميزات التي يمكن استقاؤها واستنتاجها من الأحاديث المتقدمة في قسمي الأخلاق المحمودة والمذمومة خاصية الشمول: وخاصية التوازن، وخاصية الاعتدال، وخاصية الواقعية، وخاصية التطبيق( ).

أولاً: خصائص الأخلاق في السنة النبوية

1- خاصية الشمول:

يتبين لنا من خلال دراسة وتحليل مضامين الأحاديث الشريفة المتقدمة أن الأخلاق في السنة النبوية الشريفة تتميز دون سواها بخاصية "الشمول" بحيث تنتظم أخلاق الفرد، وأخلاق الأسرة، وأخلاق الجماعة، بل وأخلاق التعامل مع الحيوان.

كما تنتظم الدوائر المتشابكة في المواقف والاتجاهات التي تعتبر أساس المسؤولية الأخلاقية على اختلاف أنواعها، فهي تحدد المسؤولية الأخلاقية للفرد تجاه ربه ونفسه وأهله وذوي قرباه وجيرانه وأعضاء الجماعة التي يعيش فيها، وتجاه عمارة الأرض وحسن استثمار ما عليها من حيوان ونبات وجماد، وما فيها من كنوز وخبايا وغيرها.

وهي تحدد المسؤولية الأخلاقية للأسرة تجاه أبنائها وأعضائها وكيفية رعايتهم وتربيتهم وتنشئتهم، وعلاقاتها مع بقية الأسر في الحي السكني، وفي المحيط الاجتماعي العام، وهي تحدد المسؤولية الأخلاقية للجماعة تجاه أفرادها من حيث توجيههم وإرشادهم، وتنقية بيئتهم من الأمراض والشوائب والعلل الخلقية والاجتماعية، وحفظ عقيدتهم الدينية، ونظامهم الأخلاقي، وتراثهم الاجتماعي وتهيئة الفرص المتكافئة العادلة لتنمية قدراتهم وصقل مواهبهم، وتحقيق أهدافهم الفردية في إطار الأهداف العامة للمجتمع.

ويمكن أن نورد على سبيل المثال بعض قواعد خاصية الشمول في الأخلاق النبوية على النحو التالي:

- اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

- أفضل الأعمال: الصلاة على ميقاتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله.

- إن لبدنك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً.

- لا يدخل الجنة قاطع رحم.

- لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.

- عليكم ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا.

- من لا يرحم لا يُرحم.

- ليس فينا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر.

- ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته.

- من رأى منكم منكراً فليغيره.

- كونوا عباد الله إخوانا.

- المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره.

- كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.

- المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.

- مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

- إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها.

- الدين النصيحة.

2- خاصية التوازن:

ومن أهم ما تتميز به الأخلاق النبوية خاصية الاتزان، فهي تعترف بالدوافع الفطرية والمكتسبة للإنسان، وتقدر حاجاته، وتسمح له بإشباعها بالطرق السوية المشروعة بالقدر الذي يحفظ له حياته، ويحقق له سعادته وراحته النفسية، وهي توازن بين مطالب الجسم وشواغل الروح، وبين الدنيا والآخرة، ولا تضحي بأحدهما في سبيل الآخر، وتعطي لكل منهما حقه بدون إفراط ولا تفريط.

وبخاصية التوازن تتجنب السنة النبوية الازدواجية والتنافر التي توجد في غيرها من السنن والشرائع والفلسفات والنظريات الوضعية، فمثلاً نجد الديانة اليهودية اتجهت اتجاهاً مادياً متطرفاً، وهو حال المذاهب المادية الوضعية، والديانة المسيحية اتجهت اتجاهاً روحياً خالصاً، وهو حال المذاهب الصوفية، ومن شأن هذين الاتجاهين المفرطين في المادية والروحية أن يخلا بمعيار التوازن الأخلاقي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانسجام وتوافق قوى الفرد الروحية والعقلية والاجتماعية والجسمية.

قال تعالى              ( ).

وقال عزّ وجلّ                    ( ).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله  : " يا عبد الله ألم أخبرك أنك تصوم النهار، وتقوم الليل ؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: " فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً "( ).

3- خاصية الاعتدال:

تتميز الأخلاق النبوية بخاصية الاعتدال، التي تعتبر أساس خاصية التوازن المتقدم ذكرها، وبهذه الخاصية الهامة تحول السنة النبوية دون الغلو أو الشطط في اتجاه على حساب آخر، وتؤكد وجوب اتخاذ الموقف العادل الوسط الذي يحفظ لأمور الحياة البشرية توازنها وانسجامها، فلا حيوانية مسرفة، ولا رهبانية مطلقة، ولا غلبة لقوى الروح على مطالب الجسد أو العكس، ولا صراع بين الدين والدنيا بل نظرة عادلة متكاملة للطبيعة الإنسانية، كما خلقها الله تعالى، تكفل لها هداية الإيمان، ونضج العقل، واتزان الوجدان، ونمو البدن وتضمن لها إشباعاً سوياً متزناً لمختلف الدوافع والحاجات الفطرية والمكتسبة.

قال تعالى                           •     ( ).

وقال رسول الله  : " ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعاً، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة "( ).

4- خاصية الواقعية:

من أهم الخصائص الإيجابية التي تتميز بها الأخلاق النبوية: خاصية الواقعية التي تستجيب للفطرة البشرية السليمة، والتي يتم على أساسها احترام مطالب الجسد والروح معاً، وعدم تكليف الإنسان بما لا يطيق من الفرائض والتكاليف التي تفوق قدراته وإمكانياته وتتعارض مع فطرته ودوافعه الصحيحة.

وهذه الخاصية تمنع الإنسان من الزهد في إشباع غرائزه ودوافعه الفطرية المعتدلة، لأنها مصدر حفظ حياته واستمرارها، والعزوف عن إشباع دوافعه النفسية والاجتماعية المكتسبة، لأنها قوام توازنه الانفعالي وصحته النفسية والعقلية كما تمنعه من الانسياق في تيار المادة فيغفل عن إشباع شواغله الروحية، لأنها منبع هدايته وإيمانه ومصدر أمله في خالقه ونيل نعيمه في آخرة باقية.

إن خاصية الواقعية تدعو الإنسان إلى التمتع بالنعم الحلال في دنياه في حدود المعقول، وتجنب الإسراف الضار، وتأمره بأن يحرص على كل ما ينفعه، وأن يكون مؤمناً قوياً كريماً عزيزاً قادراً على صون دينه وحقوقه وشرفه، والدفاع عن نفسه، وحفظ كرامته، ومقاتلة من يقاتله، ودفع عدوان من يعتدي عليه، ورد سيئة من يسيء إليه( ).

عن أنس بن مالك  يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  يسألون عن عبادة النبي  ، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي  ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر لا أفطر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله  فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "( ).

وعن حنظلة الأسيّدي … قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول

الله  : " وما ذاك ؟ " قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسيناً كثيراً. فقال رسول الله  " والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن ياحنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز .." ( ).

وعن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله  : " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد "( ).

وعن عائشة أن رسول الله  قال: " يا أيها الناس: عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملّوا، وإن أحبّ الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قلّ "( ).

وقال تعالى:                ( ).

5- خاصية التطبيق:

من أبرز وأهم مميزات وخصائص الأخلاق النبوية، التي تتميز بها وتمتاز بها عن غيرها، خاصية التطبيق، فالأخلاق في نظر السنة النبوية ليست مجرد نصائح ومواعظ وإرشادات وحكم خلقية، بل هي مثل عليا وقيم سامية وقواعد نبيلة، قابلة إلى أن تتجسد في الاتجاهات والمواقف والتصرفات السلوكية للإنسان، في حياته اليومية تجاه ربه تعالى ونفسه وأهله وأقاربه وجيرانه وأعضاء جماعته والناس أجمعين، وما يشاركه الحياة على الأرض من حيوان ونبات، وكيفية استغلاله لإمكانيات الكون الذي يعيش فيه وفق معايير المسؤولية الدينية والخلقية لاستخلاف الله تعالى له على الكون دون سائر خلقه.

ولذلك فقد ربطت الأخلاق النبوية بين الإيمان والعمل، والنية والتنفيذ، والقول والفعل، والنظرية والتطبيق، وأكدت أن الأخلاق ليست مجرد أقوال وشعارات جوفاء، بل هي مثل ومبادئ وقيم وقواعد، تنعكس بشكل حي وفعال في سلوك الفرد وتصرفاته وأقواله وأفعاله ومعاملاته وعلاقاته ومواقفه واتجاهاته، وسره وعلانيته.

عن عمر بن الخطاب  يقول: سمعت رسول الله  يقول: " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"( ).

وعن عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي  : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه "( ).

وعن أبي سعيد الخدري  أن النبي  قال: "إياكم والجلوس بالطرقات" فقالوا: ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال: " إذ أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه " قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر "( ).

وقال تعالى                      ( ).

ثانياً: وسائل التربية الخلقية في السنة النبوية

بتحليل المضامين التربوية في السنة النبوية نجد أنها انتهجت عدة وسائل إيجابية للتربية الخلقية.

ومن أهم هذه الوسائل ما يلي:

1- الوعظ والإرشاد:

تركز السنة النبوية على أسلوب التوجيه بالوعظ والإرشاد، باعتباره من الوسائل الفعالة للتربية الخلقية، لما فيه من تبين وإقناع، ودعوة إلى اتباع الهداية التي تصلح حال الفرد والجماعة، لأنها محور الأخلاق المحمودة، وحث على اجتناب الضلال الذي يضر بالفرد والجماعة، لأنه محور الأخلاق المذمومة.

قال تعالى    ••    ( ).

قال عز وجل               ( ).

وقال رسول الله  ، واعظا الصحابي الأقرع بنا حابس التيمي، مرشدا إياه إلى اتباع أسلوب الرحمة في معاملة أبنائه: " من لا يرحم لا يُرحم "( ).

وقال عليه الصلاة والسلام واعظا للمسلمين ومرشداً إياهم إلى صنائع المعروف، والخلق الحسن: " تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة "( ).

وعن ابن مسعود قال: " كان النبي  يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا "( ).

وقال عليه الصلاة والسلام واعظاً وموجهاً إلى اتباع النظرة الواقعية الموضوعية للأمور، وتقدير نعم الله عز وجل الخافية والظاهرة على الإنسان.

"إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخُلُق، فلينظر إلى من هو أسفل منه "( ).

2- التذكير والنصح:

اهتمت السنة النبوية بوسيلة التذكير كأحد الوسائل الإيجابية للتربية الخلقية، لأنها تدعو إلى الهدى والتقى والخير، وتحذر من الضلالة والغواية والشر، ولا شك أن للتذكير الصادق، والنصح المخلص أثرهما الفعال في النفوس وردها عن غيها وضلالتها، وكشف حجب الغفلة عنها خصوصاً إذا تم اختيار الوقت المناسب والأسلوب المناسب.

قال تعالى   •     ( ).

وعن أبي تميم الداري أن النبي  قال: " الدين النصيحة " قلنا: لمن ؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "( ).

عن حنظلة الأسيدي … قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله  : " وما ذاك ؟ " قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله  : " والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة "( ).

3- ضرب الأمثال:

اهتمت السنة النبوية بضرب الأمثال كوسيلة من الوسائل الهامة للتربية الخلقية، لما فيها من تحبيب للخير، وتزيينه للنفوس، وإبراز نتائجه المفيدة السارة، وتنفير من الشر وتقبيحه، وإبراز عواقبه الوخيمة والمؤلمة، خاصة إذا ما روعي في ضرب الأمثال البساطة وسهولة الفهم وتمشيها مع المستوى العقلي والإدراكي والتحصيلي للسامع.

قال تعالى     ••     ( ).

وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله  : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "( ).

وعن أبي موسى  قال: قال النبي  : " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر، مثل الحي والميت "( ).

4- القصص:

ركزت السنة النبوية على القصة كوسيلة من أهم وسائل التربية الخلقية، وأكثرها تأثيراً في النفوس، عن طريق الإيحاء المرتبط بنتائج القصة، إذ تدفع النتائج السارة والسعيدة إلى اتباع الخير وتحبيبه للنفوس اقتداء بالصالحين، وتدفع النتائج المؤلمة والتعيسة إلى اجتناب الشر وتقبيحه للنفوس، نفوراً من الطالحين.

قال تعالى                          ( ).

وأوردت السنة النبوية العديد من القصص المؤثرة: كقصة أصحاب الغار، وكقصة موسى والخضر عليهما السلام، وقصة أصحاب الأخدود وقصة الأبرص والأقرع والأعمى، وقصة الأطفال المتكلمين في المهد، وقصة ماشطة بنت فرعون وغيرها، ونسوق للتدليل قصة الأبرص والأقرع والأعمى فيما يلي:

عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني: عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع النبي  يقول: " إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لوناً حسناً، وجلداً حسناً. قال فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل، أو قال البقر.

- شك إسحاق أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل، وقال الآخر البقر- فأعطى ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسنا، فقال: فأي المال أحب إليك ؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك ؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا. فأنتج هذان وولَّدَ هذا. قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلَّغ عليه في سفري. فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إني كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إليّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم شيئاً أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد  عنك، وسخط على صاحبيك "( ).

5- الترغيب والترهيب:

من أهم وسائل التربية الخلقية في السنة النبوية وسيلة الترغيب في عمل الخير وكسب الفضائل بما يناله الإنسان من نعيم مقيم في آخرته، وما يلقاه من تكريم وتقدير واحترام، في دنياه، ووسيلة الترهيب من عمل الشر وارتكاب الرذائل بما يصيب الإنسان من عذاب أليم في آخرته، وما يلقاه من نبذ واحتقار وامتهان في دنياه.

قال تعالى       •                    •              ( ).

وقال عز وجل                   ( ).

عن جرير بن عبد الله … فقال رسول الله  : " من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً "( ).

6- القدوة:

ركزت السنة النبوية على القدوة باعتبارها أخطر وسائل التربية الأخلاقية، وأكثرها تأثيراً في نفسية الفرد منذ نشأته الأولى، خاصة وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالميول الطبيعية لدى الفرد للتعلم والتلقي والاكتساب عن طريق التقليد والمحاكاة والاقتداء بمن يرى فيهم صورة الكمال من والدين ومربيين وأبطال وغيرهم، أو ممن يرتبط بهم ارتباطاً نفسياً كالرفاق والأصحاب وأبناء الحي وغيرهم.

قال تعالى                   ( ).

وقد ضرب رسول الله  من نفسه للمسلمين الأسوة الحسنة والقدوة المثلى، في كل ما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ويرشدهم إليه، قولاً وعملاً وتصرفاً وسلوكاً.

عن البراء  قال: رأيت رسول الله  ، يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى بياض بطنه، وهو يقول: " لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزل السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا "( ).

وعن أنس بن مالك قال: كان النبي  أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي  قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: " لن تراعوا، لن تراعوا "( ).

وتؤكد السنة النبوية تأثير القدوة في تربية الناشئين، واكتساب اتجاهاتهم الدينية والأخلاقية في المحيط الأسري والاجتماعي الذي يعيشون فيه.

عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله  : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "( ).

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: " الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل "( ).

وعن أبي موسى عن النبي  قال: " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة "( ).

وقال تعالى                      ( ).

7- العبادة:

تعتبر السنة النبوية المطهرة الفرائض: من صلاة وصوم وزكاة وحج من أهم وسائل التربية الخلقية، وغرس الفضائل والقيم والمثل العليا وترسيخها في القلوب، وتهذيب السلوك وتقويمه، وإصلاح أحوال النفس البشرية وتزكيتها وتقوية مناعتها ضد أسباب الانحلال والانحراف والفساد( ).

فالصلاة: طهارة روحية ونفسية وجسدية: فهي تصفي القلوب من الشك والضلال والأوهام وأفكار السوء، وتزكي الأنفس وتقيها من الفحشاء والمنكر وتطهر الأبدان من القذارة والأدران.

كما أن الصلاة عماد الدين، ونور اليقين، وشفاء الصدور، وملاك كل الأمور، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتبعد النفس الأمارة بالسوء عن الشرور التي طبعت على الميل إليها. قال تعالى            ( ).

إن الإنسان يقف أمام مولاه في اليوم والليلة خمس مرات خاضعاً خاشعاً ذليلاً أمام العزة الربانية، واضعاً هواه تحت قدمه، لأنه منصرف بكليته إلى الإله الحقيقي الذي لا معبود بحق سواه، حتى لا تغيب عنه عظمته وهيبته وجلاله في عامة يومه.

إن من حكم الصلاة، وجود الاطمئنان في القلب، فلا يجزع عند المصائب. ولا يمنع الخير إذا وفق إليه، لأن الجزع ينافي الصبر الذي هو من أفضل أسباب السعادة، ولأن منع الخير مضرة كبرى وعدم ثقة بالخالق الرزاق المخلف ما ينفقه الإنسان في سبيل البر والإحسان. وقد قال الله تعالى

 •   •               ( ).

كما أن الصلاة مانعة للمصلي عن ارتكاب المعاصي، لأنه إذا قام بين يدي ربه خاشعاً متذللاً مستشعراً هيبة الرب جل جلاله، خائفاً تقصيره في عبادته كل يوم خمس مرات، عصمه ذلك عن اقتحام المعاصي، والامتناع عن المعصية فرض، وقد قال الله تعالى     •     •      ( ).

ومنها أنها جعلت مكفرة للذنوب والخطايا والذلات والتقصير.

وعن أبي هريرة أن رسول الله  قال: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء ؟ " قالوا: لا يُبقى من درنه شيء. قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا "( ).

والصوم تربية روحية وخلقية واجتماعية وجسدية: فهي تجعل طاعة المسلم خالصة لله تعالى مع شكر نعمه وتقدير آلائه، واستغفاره وذكره وتسبيحه، والإنابة إليه والتوكل عليه، وهي تقوى إرادة المسلم وقدرته على ضبط غرائزه ودوافعه، وكبح شهواته ونزواته، وهي توثق الترابط والتراحم والتعاطف والتكامل بين الأفراد الذين لا يتمايزون إلا بالتقوى، وهي تعود البدن على تحمل العطش والجوع والمشقة، وتنظم أحواله الصحية في أجهزته الداخلية والخارجية.

قال تعالى                 ( ).

إن في الصوم تقوية الإرادة، وتغليب حكم العقل على الشهوة، فإذا ارتاض الإنسان بذلك ارتياضاً تاماً، وأصبح السلطان للعقل لا للهوى، كان ذلك من قوة العزيمة ما تصير به من خير الناس.

كذلك مراقبة الله تعالى والحياء منه، فإنك كلما اشتهيت شيئاً وأنت صائم، تركته لله، فتتربى ملكة المراقبة لله عز وجل، ويقوى الإحساس بعظيم ألوهيته وملاحظة اطلاعه عليك.

ولو تملكت هذه المراقبة نفوس الناس جميعاً لما وجد شيء من الجرائم، ولما استبعد القوي الضعيف.

ومن حكمة الصوم، التذكير بحال الفقراء حتى تواسيهم وتشفق عليهم، وليس يعرف حال المضطر إلا من أصابه الاضطرار.

ومعرفة ضعف الإنسان وحاجاته، ومن عرف ضعفه واحتياجه، زالت عنه الكبرياء الكاذبة التي لا تليق بمن إذا أخرت عنه شربة ماء ذلّ وضعف وزالت منه الأنانية التي يريد بها أن يكون إلهاً لا عبداً، وما أضعف عبد

ينفعل من أجل أكلة أو شربة، فيعرف الإنسان قدره بهذا. ورحم الله امرءًا عرف قدره فيتأدب مع الله ومع خلق الله.

كما أن النفوس متى قويت بشهواتها طغت   •       ( ). فإذا منعت عنها شهواتها خمدت، ومتى خمدت رجعت إلى الله تعالى، وأحست به. وكذلك تجد نفس المريض راجعة إلى الله تعالى متعلقة به، بخلاف نفس الصحيح، ودواء النفوس وسعادتها إنما هو في التعلق بالله، لأنه لا غنى عنه، قال تعالى    ••          ( ).

عن أبي هريرة  ، قال رسول الله  : " الصيام جنة "( ).

عن أبي هريرة  قال: سمعت رسول الله  يقول: " قال الله

عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، هو لي وأنا أجزي به "( ).

والزكاة طهارة لمال الإنسان وعمله، وهي تنقي النفس من رذائل الأخلاق كالشح والبخل والتقتير، وتكسبها فضائل الأخلاق كالإحسان والبر والصدقة والكرم والسخاء وعون الفقراء والمساكين ومساعدة المحتاجين والمعوزين، وتقوي روح التكافل والتعاون الاجتماعي، وتذيب الفوارق الحادة بين فئات المجتمع، فتزيل بطر الأغنياء، وحقد الفقراء، وتحل محلهما التعاطف والتراحم والعدل. قال تعالى          ( ).

كما أن أداء الزكاة تطهر نفس المؤدي من أنجاس الذنوب، كما تزكيه بأخلاق الجود والكرم، وترك الشح والضن، إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال، فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.

إن الله سبحانه وتعالى أنعم على الأغنياء وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصيلة، وخصهم بها، فيتنعمون ويتلذذون بلذيذ العيش. وشكر النعمة فرض عقلاً وشرعاً، وأداة الزكاة إلى الفقير، من باب شكر النعمة فكان فرضاً.

وحث الإسلام على إخفاء الصدقات لرفع عبء الاحتياج عن الفقير المسكين دون أن نؤلم نفسه بالإضافة إلى بلاء الفقر والاحتياج.

عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله  فقالوا: إن ناساً من المُصدِّقين يأتُوننا فيظلمونا. قال: فقال رسول الله  :

" أرضُوا مُصدِّقيكم "( ).

وعن أبي هريرة قال: قال النبي  : " قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، أَنْفق أُنفق عليك " وقال: " يمين الله مَلأَي سَحًّاءُ لا يغيضُها الليل والنهار "( ).

عن أبي هريرة  يقول: قال رسول الله  : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوي بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت

أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد، فيرى وسبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار "( ).

وعن شعبة قال: أخبرني عمرو عن خيثمة بن عدي بن حاتم قال: ذكر النبي  النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، قال شعبة: أما مرتين فلا أشك، ثم قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة "( ).

والحج تربية خلقية واجتماعية: فهو ينقي القلوب من الكبرياء والغرور والتعالي، ويغرس فيها التقوى والتواضع وعدم التكلف، وتجنب اللغو والجدال والفسوق، وغيرها من مساوئ الأخلاق، ويقوي لدى المسلم الإحساس بالمساواة مع الآخرين الذين يؤدون نفس الشعائر، ويرتدون نفس ملابس الإحرام، ويتساوون أمام خالقهم عز وجل، وكأنهم في يوم الحشر، لا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وعجمي، ولا بين فقير وغني، ولا بين ذي حسب ونسب وشخص من العامة: إلا بتقوى الله تعالى وحسن طاعته، واستقامة الخلق والسلوك.

قال تعالى    ••        ( ).

وقال تعالى          ( ).

وعن أبي هريرة  قال: سُئل النبي  أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال: " إيمان بالله ورسوله " .قيل: ثم ماذا ؟ قال: "جهاد في سبيل الله ". قيل ثم ماذا ؟ قال:

" حج مبرور "( ).

وعن أبي هريرة  قال: سمعت النبي  يقول : " من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه "( ).

8- التوبة والمغفرة:

ركزت السنة النبوية على التوبة والاستغفار كوسيلة من أهم وسائل التربية الخلقية البناءة التي تصلح أحوال النفس المخطئة، وتفتح أمامها باب العودة إلى حظيرة الإيمان والهدى والتقى والاستقامة، ووعدت التائب الصادق العازم على عدم العودة إلى المعاصي والخطايا بقبول الله تعالى لتوبته المخلصة، ومغفرته لذنوبه، وتجاوزه عن خطاياه، وتوفيقه إلى اتباع سبيل الهداية والرشاد والصلاح.

قال تعالى          ( ).

وقال عز وجل        ( ).

وقال تعالى  •      ( ).

وعن أبي هريرة: سمعت رسول الله  يقول : " والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة "( ).

وعن أنس  قال: قال رسول الله  : " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة "( ).

ثالثاً: أهداف التربية الخلقية في السنة النبوية

بعد أن بينا تعريف الأخلاق، وناقشنا خصائص النمو العقلي ومراحله وأوساطه، واستعرضنا موضوع الضمير وكيفية تكوينه، وموضوع المسؤولية الأخلاقية، وموضوع التربية السلوكية، وبينا أهم وسائل إصلاح النفس وتقويمها، وأوضحنا أقسام الأخلاق، وهي الأخلاق المحمودة، والأخلاق المذمومة، وأوردنا أهم خصائص ومميزات الأخلاق في السنة النبوية، وأهم وسائلها، بعد ذلك يجدر بنا أن نستعرض أهم أهداف التربية الخلقية في السنة النبوية، في ضوء المضامين التربوية للأحاديث الشريفة المتقدمة، وذلك على النحو الآتي( ):

1- إصلاح ما بين الفرد وربه عز وجل، وذلك بإصلاح سريرته وعلانيته، وبناء استقامته الخلقية على مراقبته الدائمة لله تعالى وكأنه يراه، وإحساسه بحضوره الدائم معه، وإخلاص العبادة والطاعة له.

2- تكوين الرقيب الأخلاقي الذاتي النابع من ضمير الفرد، والموجه لسلوكه والضابط لتصرفاته، والمحاسب له على أخطائه وذنوبه ومعاصيه، والمحرك المستمر لجوانب الخير والاستقامة في نفسه.

3- تقوية إرادة الفرد، وإحساسه بمسؤوليته الذاتية في تهذيب غرائزه ودوافعه، وضبط انفعالاته وعواطفه، والتحكم في نزواته ورغباته، وإشباعها بالطريق السوي المشروع دينياً وخلقياً واجتماعياً، وعدم إطلاق العنان لها بما يلحق به وبمجتمعه أفدح الأضرار.

4- ترقية السلوك الإنساني وترشيده، وجعله مجسماً للقيم والمبادئ والمثل الدينية والخلقية العليا، دائراً في فلكها حافظاً لها.

5- ترقية النفس البشرية وتقوية عفتها، وتحصينها من التردي في مهاوي الشهوات، والانسياق في تيار الملذات والانغماس في حمأة الرذيلة.

6- غرس الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة، والآداب الفاضلة وترسيخها في نفس الفرد، منذ نشأته الأولى، وتعويده على المعاملة الحسنة مع الآخرين، وتوجيهه إلى اتخاذ المواقف الإيجابية والاتجاهات البناءة دينياً وأخلاقياً نحو مختلف القضايا في حياته.

7- تنشئة الفرد على الشعور بالمسؤولية الخلقية تجاه الجماعة، وصون عقيدتها ونظامها الأخلاقي وكيانها الاجتماعي من مختلف عوامل التفكك والانحلال، وتقوية مناعتها ضد أسباب الفساد الخلقي: كالميوعة والفتنة والغواية والفسق والفجور والفواحش وغيرها.

8- تكوين الجماعة الفاضلة التي تأتمر بالمعروف، وتتناهي عن المنكر، وتتعاطف وتتراحم، وكأنها جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر، وكأنها بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.

التربية السلوكية ووسائل صلاح النفس













أولاً: التربية السلوكية

يرى علماء التحليل النفسي أن للنفس مظاهر ثلاثة: أولها: الهوى وهو مجموع الغرائز والرغبات والشهوات. وثانيهما: الأنا وهو العقل الذي يحاول المواءمة بين غرائز ورغبات النفس، والمعايير الدينية والأخلاقية والاجتماعية. وثالثهما: الأنا الأعلى وهو الرقيب الأعلى أو سلطة الضبط الداخلية أو الضمير الذي لا يسمح للإنسان بارتكاب الأخطاء والمعاصي التي لا يقرها الدين والعقل والأخلاق والمجتمع، وهو مصدر سعادة الإنسان برضاه عن أفعاله المحمودة، ومصدر تعاسته بندمه عن أفعاله المذمومة ( ).

وهذه المستويات الثلاثة للنفس، قد توجد عند إنسان واحد في حالات متغيرة، عندما يخضع لمطالبه ورغباته وشهواته، أو عندما يعمل عقله في التكييف بين مطالبه والأحكام الدينية والقيم الخلقية والعرف والتقاليد والعادات الاجتماعية، أو عندما يشعر براحة النفس الناجمة عن أفعاله الخيرة وسلوكه المحمود، أو يشعر بعذاب النفس الناتج عن أعماله الشريرة وسلوكه المشين.

وقد توجد هذه المظاهر بين الناس وتميز بينهم، فهذا شخص تتحكم فيه شهواته ورغباته فهو أسيرها لا يستطيع الفكاك من قيدها، وهذا شخص ثان يضبط نفسه ويتحكم في مطالبها، ويعمل على إشباعها بالطرق السوية المشروعة، وهذا شخص ثالث يزكي نفسه ويتسامى بخلقه، ويرتفع بسلوكه عن كل الصغائر والدنايا، ويستمع دوماً إلى صوت ضميره الداخلي، ويلتزم التزاماً ذاتياً وأخلاقياً في كل تصرفاته، ويحس برقابة الله تعالى عليه وحضوره معه ويراعيه في كل حركاته وسكناته.

والسنة النبوية المطهرة لا تنكر هذا التحليل النفسي للسلوك البشري بل تقره وتسبق إليه، وتجعله وسيلة لتهذيب النفس وسعادتها، والموازنة العادلة بين حاجاتها الجسدية وشواغلها الروحية والملاءمة بين رغبات الفرد ومطالب الجماعة، وضبط الغرائز والدوافع والحاجات الفطرية والنفسية والاجتماعية وإشباعها وفق ما تقره أحكام الشريعة السمحاء، ومعايير الأخلاق الفاضلة، وغايات المجتمع البناءة.

ولذلك فقد وجهتنا السنة النبوية المطهرة إلى إشباع الغرائز والشهوات الطبيعية بالطرق المشروعة، وعدم إطلاق العنان لها، وجعلها تتحكم في مشاعر الإنسان وسلوكه، لأن الإسراف فيها، وإشباعها بغير حقها فيه مضار خطيرة للفرد والجماعة.

وهذه هي التي تسمى بالنفس الأمّارة – التي تقابل الهوى – في التربية المحمدية، وإذا اتبع الإنسان هواه خسر دينه ودنياه.

قال تعالى:       • • •       •    ( ).

وعن أبي هريرة  قال: كان من دعاء النبي  : " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع"( ).

كما وجهتنا السنة النبوية إلى إصلاح النفس، وتطهيرها وضبط الذات، ولا يتم ذلك إلا بالنقد الذاتي، وإظهار الندم عن الأفعال المشينة، واستغفار الله عز وجل، وحسن التوبة إليه، والعزم على عدم العودة إلى الشرور والمفاسد والمعاصي والفواحش.

وهذا ما تسميه التربية النبوية بالنفس اللوامة التي تقابل الأنا، وإذ اتبعها الإنسان ضمن إلى حد كبير الرجوع عن الغي، وكبح جماح النفس، والملاءمة بين رغباتها ومطالبها والمعايير والقيم الدينية والخلقية والاجتماعية.

قال تعالي:         •  ( ).

وعن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله  يقول، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا تستجاب "( ).

وعن فروة بن نوفل الأشجعي، سألت عائشة عما كان رسول الله  يدعو به الله، قالت: كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل"( ).

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله  : " يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم مائة مرة "( ).

وعن أبي موسى  قال: قال النبي  : " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر، مثل الحي والميت "( ).

ووجهتنا السنة النبوية كذلك إلى أن الاطمئنان الروحي، والسكينة النفسية وراحة الضمير وبلوغ السعادة، يتم بالعبودية الخالصة لله تعالى، واليقين به، وحسن التوكل عليه، والإنابة إليه، والتقرب إليه بالطاعات، ومراعاته في السر والعلن، والإحساس الدائم برقابته وحضوره.

وهذا ما تسميه التربية المحمدية بالنفس المطمئنة، وهو ما يقابل الأنا الأعلى، بل إن تعريف السنة النبوية أدق وأشمل في التربية السلوكية. قال تعالى:   • •      •       •  ( ).

وقال رسول الله  في تعريف الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلىَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"( ).

وعن عمر بن الخطاب  ، قال: قال رسول الله  : " لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً، وتروح بطاناً"( ).

وعن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله  يوماً، فقال: " يا غلام، إن أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"( ).

ثانياً: وسائل صلاح النفس وتقويمها

ولكي تتم التربية السلوكية على نحو سليم يعكس استقامة النفس وطهارتها وترقية أخلاقها والسمو بها، وضبطها لرغباتها وشهواتها دون إماتتها – وإلزامها بالأحكام والقواعد الدينية، والقيم والمعايير الخلقية، لا بد من اتباع عدة وسائل تقويمية وإصلاحية " للنفس " تقيها شرور الاندفاع في تيار الشهوات والفساد والضلال في غفلة حينا، وفي ضعف حينا آخر وتعيدها إلى حضيرة الإيمان والعفة والاستقامة والصلاح.

ومن أهم وسائل صلاح النفس وتقويمها نذكر: النقد الذاتي، والضبط الذاتي، والتقويم الذاتي. وهذه الوسائل وإن كانت تعتمد على التوجيهات الروحية، والقيم الخلقية، والمعايير الاجتماعية، إلا أننا رأينا إبراز دور الفرد نفسه فيها بمبادئه الذاتية، وإحساسه بالمسئولية، والتزامه الخلقي النابع من ذاته لا المفروضة عليه من سلطة خارجية، حتى يتمثل ويلتزم بكل الأوامر والنواهي والتعاليم والتوجيهات التي جاءت بها الدعوة المحمدية الخاتمة الموجهة إلى البشرية قاطبة بما يصلح أحوالها، وينقذها من ضلالها، ويهديها إلى سبيل الرشاد حيث تنال السعادة في الدارين.

ومن وسائل إصلاح النفس وتقويمها ما يلي:

1- النقد الذاتي:

لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالعقل والحواس، وخصه بها دون سائر المخلوقات على نحو يمكنه من الفهم والإدراك وإصدار الأحكام الصائبة، والتمييز بين الأشياء حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، نافعها وضارها.

كما أنعم على الإنسان بالإرادة القادرة الحرة المختارة، وحمله بذلك "المسئولية" كاملة عن أقواله وتصرفاته ومواقفه واتجاهاته. ومن العدالة أن يتحمل الإنسان مسؤولياته عن أقواله وأفعاله ومواقفه وأحكامه ما دام حراً مختاراً ذا قدرة وإرادة، ولابد للإنسان كي تستقيم حياته الفردية والاجتماعية من أن ينمي قدرته على النقد الذاتي بتقويم نفسه، ووزن أقواله وأفعاله ومواقفه وأحكامه ما دام حراً مختاراً ذا قدرة وإرادة، ودراسة الأسباب التي دفعته إلى ارتكاب الخطايا، والوقوع في المعاصي التي يحرمها الدين، ويمنعها العقل، وترفضها الأخلاق ويستنكرها المجتمع.

وكلما نما النقد الذاتي لدى الإنسان كلما دل على عقلية ناضجة متفتحة، ونفس نقية صافية، وإن لابستها الشوائب الطارئة فسرعان ما تعود إلى حياة الاستقامة والعفة( ).

والسنة النبوية المطهرة تدعو إلى تنمية القدرة على النقد الذاتي الذي يقود المخطئ والمسيء إلى مراقبة نفسه وتفطنه إلى عيوبه ونقائصه، واعترافه بزلاته وانحرافه، وإظهاره لندمه عن أفعاله المذمومة وخطاياه ومعاصيه، واستغفاره لربه تعالى عنها، وحسن توبته إليه والإسراع بها وصدق عزمه على عدم العودة إلى حياة الفساد والضلال.

عن أبي هريرة  قال سمعت رسول الله  يقول: " والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة "( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه "( ).

وعن أنس  قال: قال رسول الله  : " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة …"( ).

وعن شداد بن أوس عن النبي  قال: " سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله"( ).

وعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: " يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له "( ).



2- الضبط الذاتي:

من أهم النتائج الإيجابية للنقد الذاتي الناضج قدرة الإنسان على ضبط ذاته، وذلك بالتحكم في أهوائها ونوازعها، وكبح جماح شهواتها وغرائزها، وردها عن غيها، وكشف حجاب غفلتها، وإرجاعها إلى جادة الهدى والطهر والعفاف.

وللضبط الذاتي فوائد جمة للفرد والمجتمع: فهو بالنسبة للفرد مصدر احترام وتقدير وتوقير الآخرين، لأنه يجعله يرتفع عن السفاسف والدنايا ويصحح أخطاءه، ويقوّم عيوبه، ويسعى دوماً إلى طلب رضا الخالق عز وجل وحسن عبادته وطاعته، والالتزام بالقيم الروحية، والفضائل الخلقية والآداب الاجتماعية، يشبع رغباته وحاجاته الفطرية بالطرق السوية وفي غير إسراف، ويكيف مطالبه مع مطالب المجتمع ونظمه وقوانينه، فلا تدفعه الأثرة والأنانية وحب الذات إلى بناء سعادته على شقاء الآخرين، وهو بالنسبة للمجتمع مصدر تماسك وتلاحم وتظافر بين أعضاء ضابطين لذواتهم، شاعرين بمسؤولياتهم حيال مجتمعهم، يسهمون في بنائه، ويحفظون كيانه، آمرين بالمعروف وملتزمين به، ناهين عن المنكر وتاركين له، مدركين لأمانة الاستخلاف وثقل أعبائها، حريصين على الرفع من أنفسهم وفق الاستطاعة، مؤمنين بأن الفرد للجماعة كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

وقد وجهتنا السنة النبوية إلى تنمية القدرة على الضبط الذاتي للنوازع والدوافع والرغبات والشهوات والعواطف والانفعالات، وذلك لأن الضبط الذاتي هو مصدر التوازن والاعتدال والسعادة في حياة الفرد والجماعة.

عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب"( ).

وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلاً أتى إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله: علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علىّ، فأنسى. فقال رسول الله  : " لا تغضب "( ).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله  : " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات "( ).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله  : " من ترك الكذب وهو باطل، بني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق، بني له في وسطها، ومن حسن خلقه، بني له في أعلاها "( ).

وقال رسول الله  " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله"( ).

وقال رسول الله  : " الحلال بين والحرام بين، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك"( ).

وعن صهيب قال: قال رسول الله  : " عجباً لأمر المؤمن ? إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له "( ).

3- التقويم الذاتي:

لا شك أن نضج قدرة الإنسان على النقد الذاتي الواعي الرشيد، واكتمال قدرته على الضبط الذاتي المتوازن العادل، يساعده على تقويم ذاته، وإصلاح عيوبه وترقية أخلاقه، وترك سبيل المفاسد والمعاصي والشرور وإن كانت تحقق له لذة مادية آنية، والعودة إلى سبيل الهدى والتقوى والصلاح باتباع أوامر الشرع الحكيم واجتناب نواهيه، والتقيد بالفضائل والمكارم الخلقية والقيم والآداب الاجتماعية التي تجعله يتذوق السعادة الحقيقية بما تشيعه في نفسه من طمأنينة وسكينة وراحة ضمير، وثقة ويقين في عون الخالق عز وجل ونيل رضاه ورحمته، وشعور باحترام الآخرين وتقديرهم وقبولهم، ولذلك يكون التقويم الذاتي النابع من الفرد مصدر صلاحه في دينه وخلقه، وفلاحه في عمله وعلاقاته، وسعادته في حياته الفردية والاجتماعية، ورجائه في رحمة ربه وغفرانه ونيل جنانه.

وقد دعتنا السنة النبوية إلى تنمية قدرتنا على التقويم الذاتي، وإصلاح عيوبنا بأنفسنا، والرجوع عن أخطائنا ومعاصينا، وفتحت أمامنا باب التوبة والغفران ورحمة ربنا الغفور الرحيم، وحثتنا على مبادرتنا الذاتية وتقوية إرادتنا، وصدق عزمنا على تأديب نفوسنا وتزكيتها، وترقية أخلاقنا والسمو بها حتى نتحصن من التردي في مهاوي الشهوات والرذائل، والشرور والمفاسد، والمعاصي والذنوب والغي والضلال.

عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله  يقول: " المجاهد من جاهد نفسه "( ).

وقال رسول الله  : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "( ).

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله  : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر "( ).

وقال رسول الله : " إن الله تعالى يحمد على الكيس، ويلوم على العجز، فإذا غلبك الشيء فقل حسبي الله ونعم الوكيل"( ).

الضمير الخلقي وكيفية تكوينه








الفصل الثاني

الضمير الخلقي وكيفية تكوينه





تمهيد:

يتميز الإنسان عن سائر الحيوان بالميل الفطري إلى الأخلاق، وبالتزامه الذاتي بقواعد ومعايير أخلاقية معينة يراعيها في شتى المواقف والاتجاهات وإن كانت سلطة الضبط الخارجي غائبة عنه.

ولا عجب فإن النفس البشرية مجبولة على الاستعداد للتكوين الخلقي، والتهذيب السلوكي، وفق عدة عوامل فطرية أهمها: عامل اللذة والألم، وعامل النفع، وعامل الخضوع لرقابة المجتمع وحمل هذه الرقابة في النفس، وعامل الالتزام بالقيم والمبادئ والمثل العليا.

أولاً: العوامل الفطرية التي تساعد على التكوين الخلقي( )

1- اللذة والألم:

الإنسان مفطور على الإحساس باللذة والألم، وهو بذلك ميال إلى كل ما يحقق له اللذة، وعزوف عن كل ما يسبب له الألم. ولهذا العامل تأثير كبير جداً في تربية الإنسان وتكوينه الخلقي، وتوجيهه السلوكي، لأنه يجذبه إلى السبل المحمودة التي تنتهي به إلى اللذائذ المعنوية أو الحسية، ويجنبه السبل المذمومة التي تلحق به الآلام المعنوية أو الحسية.

وقد أكدت السنة النبوية المطهرة أهمية هذا العامل في التربية الأخلاقية والسلوكية بما تضمنته من ترغيب في المحمودات، وترهيب في المذمومات، ووعد بالنعيم المقيم في الجنة، ووعيد بالعذاب الأليم في جهنم.

قال تعالى:           •   •   •    

      •       •          •                         ( ).

وعن عبد الله رضي الله عنه عن النبي  قال: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا( ).

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : "الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة. والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار"( ).

2- النفع والمضرة:

وكما أن الإنسان مفطور على طلب اللذة وتجنب الألم، فهو مفطور على حب كل ما ينفعه إن عاجلاً أو آجلاً، وترك كل ما يضره أو يؤول به إلى الخسارة والوبال.

ولهذا العامل تأثيره الكبير كذلك، في تنشئة الإنسان تنشئة أخلاقية سليمة وتوجيهه توجيهاً سلوكياً قويماً. وقد ركزت السنة النبوية المطهرة على أهمية هذا العامل بما تضمنته من تبشير بالثواب للمحسنين، وإنذار بالعقاب للمسيئين.

قال تعالى:                    •        ( ).

وعن عبد الله قال: قال رسول الله  : "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء"( ).

3- رقابة المجتمع في النفس:

يتميز الإنسان عن الحيوان في قدرته على امتصاص وتشرب الرقابة الاجتماعية، وحملها في طيات صدره، والالتزام بقواعدها وقيودها والخضوع لتعاليمها ولو في غياب السلطة الخارجية ورقابة الآخرين.

ولهذا العامل أثره الفعال في تكوين الضمير الخلقي، وطبع السلوك بالطابع الاجتماعي السائد، وغرس العرف والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية في نفس الفرد الإنساني منذ نشأته الأولى.

ولذلك فإنه لابد من مراعاة غرس العادات والتقاليد الاجتماعية السليمة في نفوس الناشئة، وتجنيبهم تشرب وامتصاص العادات والتقاليد الضارة، وعدم الاستبداد في تربيتهم الخلقية وقهرهم على معايير وقيم معينة قد لا تكون صالحة، وقد تتعارض مع عواطفهم ورغباتهم وحاجاتهم المشروعة، وإلا أصبح الالتزام الأخلاقي التزاماً ظاهرياً مبنياً على النفاق والتملق والخداع، سرعان ما يتخلى عنه الفرد في غيبة الرقيب الخارجي الذي يخشى عقابه.

ولن تصلح الرقابة الاجتماعية إلا إذا ارتبطت بالقيم والمبادئ والمثل العليا الصحيحة التي تكرم ذات الفرد وتحترمه، فإن أحسنت للمحسن فلتشجيعه، وإن عاقبت المسيء فلإصلاحه وتقويمه لا الانتقام منه وإذلاله، مع فتح باب التوبة له، والرجوع عن غيه، والصفح عنه، وعدم تحقيره المستمر بأخطائه السابقة.

وقد اهتمت السنة النبوية بميل الإنسان الفطري إلى الخضوع لرقابة المجتمع، وتشربها وامتصاصها منذ الصغر، وحملها في النفس في الكبر، والالتزام الذاتي بها وإن كان الإنسان في منأى عن السلطة الخارجية، وأكدت ضرورة ارتباط هذه الرقابة بالخلق القويم، والسلوك الكريم والقيم والمبادئ والمثل العليا، والمعاملات والعلاقات الشريفة بين أفراد المجتمع.

عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"( ).

وعن أبي موسى عن النبي  قال: "إنما الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة"( ).

وعن أبي سعيد سمعت: رسول الله  يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"( ).

4- الالتزام بالقيم والمبادئ والمثل العليا:

يولد الإنسان على الفطرة مؤمناً بالله تعالى، وهذا الإيمان هو رأس كل الفضائل. وبالتربية والتنشئة الصالحة يكتسب القيم والمبادئ والمثل العليا التي يمل إليها فطرياً.

وكلما زاد إيمان الإنسان بالله تعالى وقوي يقينه به، كلما استشعر رقابته وحضوره معه في السر والعلن، فيلتزم التزاماً ذاتياً متصلاً باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهو ما يكفل له التكوين الخلقي العظيم، والاستقامة السلوكية، وضبط النفس والنوازع، والتحكم في الميول والشهوات، واتباع سبل الخير والفضائل، وتوقي سبل الشر والرذائل، وحب الآخرين كحب النفس، والحرص على مصلحة الجماعة كالحرص على المصلحة الذاتية، والموازنة بين مطالب الدين والدنيا، والمعادلة بين حاجات البدن وشواغل الروح.

وقد اهتمت السنة النبوية بالتوجيه إلى تقوية الميل الفطري إلى القيم والمبادئ والمثل الأخلاقية العليا بالتربية الواعية السليمة، وغرسها في النفس منذ بواكير الحياة الأولى للإنسان، حتى يصبح مراقباً لله تعالى في كل شؤونه، مستشعراً لحضوره معه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، ولا شك أن هذه الرقابة الإلهية هي أساس السمو الروحي والتهذيب الخلقي والتقويم السلوكي، لأن المؤمن يحملها في قلبه، وهي معه أينما كان في صحوه ومنامه، وفي حله وترحاله، وفي سره وعلنه، وفي وحدته ووجوده مع الآخرين.

قال رسول الله  في تعريف الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"( ).

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: "قل آمنت بالله ثم استقم"( ).

وعن الحسن بن علي ... قال حفظت من رسول الله  : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة"( ).

وعن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سألت رسول الله  عن البر والإثم، فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"( ).

ومن ذلك يتضح أن الأخلاق تتكون بتنمية الميول والعوامل الفطرية في بيئة نقية صالحة، بحيث يمتزج فيها الجانب الفطري والجانب الكسبي.

وبهذا المعنى نجد أن الأخلاق إنما هي "سلوك" تتفاعل في صنعه العقيدة والعقل والعاطفة والانفعال والإرادة والعادة المألوفة.

وهذا السلوك يتأصل ويتأكد ويترسخ حتى تصبح تصرفات ومواقف واتجاهات الفرد الخلقية تصدر عنه بطريقة تلقائية سهلة وكأنها طبع جوهري فيه، لا تطبعا ظاهرياً عارضاً لديه.

ولعل أوضح تعريف للأخلاق، يشمل المعاني المتقدمة، هو التعريف الذي وضعه أبو حامد الغزالي بقوله: "فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية"( ).

والمقصود من هذا التعريف أن هيئة النفس التي يكون خلقها حسناً، تصدر عنها الأفعال المحمودة شرعياً وعقلياً واجتماعياً، وهيئة النفس التي يكون خلقها سيئاً، تصدر عنها الأفعال المذمومة شرعياً وعقلياً واجتماعياً، وذلك بطريقة مستمرة وليست عارضة أو مؤقتة، وبنوع من الثبات وعدم التكلف في القيام بالأشياء.

وتؤكد السنة النبوية هذا المعنى الإيجابي للأخلاق، حيث تجعلها من أعمال القلوب والنوايا الخيرة الثابتة، والدوافع الذاتية التي تتجنب التظاهر والزيف والتكلف وخداع الآخرين.

* قال رسول الله  في تأكيد الأعمال الأخلاقية الخيرة النابعة من الذات كأساس لتقييم البواعث والسلوك " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"( ).

* وقال  في تعريف الإحسان، وهو ما يؤكد الخلق كهيئة راسخة في النفس محركة لأعمالها، وباعثة لنشاطها: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ( ).

* وقال رسول الله  في تأكيد أهمية النوايا كبواعث أخلاقية تنبئ عن نقاوة الطوية وصدقها، أو عن فسادها وزيفها، وهو ما يبرز كيفية هيئة النفس الخلقية محمودة كانت أم مذمومة:

" إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ( ).

وكان رسول الله  يدعو ربه تعالى إلى أن يجعل هيئة نفسه الخلقية محمودة، وفي هذا الدعاء تحفيز على التزام العمل الصالح والسلوك الصالح بالنية الصالحة حتى تنمو بذور الخير في النفس، وتصقل الاستعدادات الفطرية للاستقامة والطهارة، وتكتسب النفس كل سمات الهدى والتقوى والصلاح وهو ما يجعلها راضية مرضية، تشع بالخير على كل من حولها.

* عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله  يقول، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر. اللهمَّ آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهمَّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها"( ).

وتؤكد السنة النبوية على أن تكون هيئة النفس الخلقية سامية مترفعة على السفاسف والدنايا التي تسيء إلى الإنسان، وتعطي عنه صورة أخلاقية مذمومة.

* قال رسول الله  : " إن الله تعالى يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها"( ).

على أن تعريف الأخلاق بكونها هيئة راسخة في النفس لا يعني عدم قبول الأخلاق للتغيير إطلاقاً، إذ أن الأخلاق تتغير بالتربية والتعليم والتوجيه والإرشاد والرياضة النفسية، وهو ما نراه واقعاً في حياتنا اليومية. فمثلاً: يمكن للفرد المنفعل أن يتعود شيئاً فشيئاً على ضبط نفسه والتحكم في انفعالاته، والاعتدال في سلوكه خاصة عندما يجد التوجيه التربوي السليم، وهذا ما ورد تأكيده في السنة النبوية عندما دعت إلى مجاهدة النفس، وضبط الغرائز، والتحكم في الانفعالات، حتى لا ينحدر الإنسان في مهاوي الشهوات والنوازع والرغبات الضارة.

قال رسول الله  : " المجاهد من جاهد نفسه "( ).

وقال عليه الصلاة والسلام: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"( ).

وقال : "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يمتلك نفسه عند الغضب"( ).

وقال عليه الصلاة والسلام: "خياركم أحاسنكم أخلاقاً "( ).

ومن أجل تغيير أخلاق الفرد، وأخلاق الجماعة نحو الأفضل دائماً، أكدت السنة النبوية المطهرة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلته أحد أسس الإيمان بالكامل، والإسلام الصحيح، وتوعدت تاركيه بعقاب الله تعالى، وبعدم استجابته لدعائهم.

عن اليمان عن النبي  قال : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم "( ).

وقال تعالى:  •      •    • •    ( ).

في هذه الآية الكريمة تأكيد لقابلية الأخلاق للتغيير، وحث على تغيير الأخلاق نحو الأفضل، وذلك بترك سبل الهوى الذي يقود إلى النار واتباع سبل الهدى الذي يقود إلى الجنة.

والسنة النبوية المطهرة وهي تؤكد قابلية الأخلاق للتغيير، إنما تدعو إلى الموازنة والاعتدال بين مطالب الدين والدنيا، وبين شواغل الروح وحاجات الجسد، ولم تقصد إطلاقاً إماتة الغرائز، أو كبت الرغبات، بل غاياتها إشباعها بالطريق السوي المشروع الذي يحفظ للإنسان حياته، ويزكي خلقه، ويطهر نفسه، ويسمو بروحه، وبهذا النهج الخلقي التربوي الديني الدنيوي المتكامل المتوازن، سبقت الفلسفات والنظريات التربوية التي كثيراً ما تغلب جانباً على حساب آخر، تبعاً لاهتماماتها واختصاصاتها بمجال دون غيره، فيقع الخلل والانخراط في انسجام جوانب الشخصية الإنسانية.

قال رسول الله  : " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد "( ).

ثانياً: مراحل النمو الخلقي

يبدأ النمو الخلقي لدى الإنسان منذ المراحل المبكرة لحياته، ويستمر حتى بلوغه سن النضج المكتمل الذي هو أساس التكليف وتحمل المسؤولية.

ويولد الإنسان على الفطرة ميالاً إلى الخير، وتعمل البيئة عملها المؤثر في تشكيل تلك الفطرة وفق استعداداتها وإمكانياتها الموروثة، فتمكنها التربية الصالحة من النمو السليم وحسن التكوين، وتطمس التربية الطالحة معالم الخير فيها، وتجعلها تجنح إلى المفاسد والشرور.

عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  " ما من مولد إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"( ).

ويمكننا تقسيم النمو الخلقي إلى ثلاث مراحل، وهي: مرحلة الطفولة المبكرة، ومرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة، ومرحلة البلوغ والمراهقة( ).



المرحلة الأولى للنمو الخلقي:

تبدأ عملية النمو الخلقي في المرحلة الأولى من عمر الإنسان، خلال طفولته المبكرة. وفي هذه المرحلة تتحكم في الطفل غرائزه وحاجاته ونوازعه، وتتطلب الإشباع حتى تستقيم حياته ويهنأ باله، وأي خلل فيها، أو شدة وقسوة في المعاملة، قد يؤدي إلى اضطراب الصحة النفسية والعقلية والوجدانية والجسمية للطفل.

وعلى الوالدين والمربين عدم تحميل الطفل، في هذه المرحلة، أية مسؤوليات أخلاقية عن تصرفاته ومواقفه وأنماط سلوكه وانفعالاته وردود أفعاله، لأنه غير قادر على التمييز والإدراك والحكم الصحيح، وأن يعاملوه بالرحمة والرفق واللين والتسامح.

وهذا ما وجهنا إليه رسولنا الأكرم  الذي لم يحمّل الأطفال أية مسئوليات في تصرفاتهم الخاطئة، وسلوكهم غير القويم وفق الأحكام الأخلاقية للراشدين، بل كان يعاملهم بالرحمة والرفق والعطف الذي يقدر طفولتهم العاجزة، ويعي عدم مسئوليتهم عن أفعالهم وتصرفاتهم لكونهم لم يبلغوا سن التمييز والإدراك بعد.

عن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ، وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه فصلى، فإذا ركع وضع، وإذا رفع رفعها( ).

وهذا الحديث يشير إلى رحمة رسول الله  ورفقه بحفيدته، وعدم محاسبتها على ما لا تدركه، مثل ركوبها على عاتقه أثناء الصلاة وهي أقدس العبادات.

وعن عائشة: أن النبي  وضع صبياً في حجره يحنّكه، فبال عليه، فدعا بماء فاتبعه( ).

وفي الحديث إشارة إلى التجاوز عن أخطاء الأطفال غير المدركين، والتسامح معهم، لأنهم لم يبلغوا بعد سن المسؤولية والتكليف.

على أنه تجدر الإشارة إلى أن سن الطفولة المبكرة هي سنّ امتصاص وتشرب الأخلاق والفضائل والآداب الحميدة، عن طريق التوجيه الحكيم والإرشاد السليم، الذي يتمشى والنمو العقلي للطفل ومستوى إدراكه وتمييزه، فيبدأ شيئاً فشيئاً، وخاصة في نهاية مرحلة الطفولة المبكرة، في تعديل سلوكه، وضبط انفعالاته وتقويم أخطائه، واكتساب الصفات المحمودة التي ترضي الآخرين عنه، وتجعله محل قبولهم وتقديرهم، فيتوفر له الأمن النفسي والسكينة والطمأنينة، مما يجعل حياته هانئة سعيدة.

وهذا ما أكدته السنة النبوية ووجهت إليه الآباء والمربين.

عن عمر بن أبي سلمة يقول : كنت غلاما في حجر رسول الله  ، وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي رسول الله  : " يا غلام سم الله ، وكل بيمينك، وكل مما يليك. فما زالت تلك طعمتي بعد "( ).

وقال رسول الله : "حق الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن موضعه، ويحسن أدبه"( ).

المرحلة الثانية للنمو الخلقي:

في المرحلة الثانية من حياة الإنسان وهي مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة تتوسع دائرة علاقاته الاجتماعية، وارتباطاته بالآخرين في الحي والمدرسة وجمعيات النشاط، ويحتاج إلى التكيف السليم مع المواقف والاتجاهات الجديدة في حياته، ويبدأ في تمييز الأفعال وأنماط السلوك التي تكون محل رضا الآخرين أو سخطهم. ويرتبط سرور وسعادة الطفل برضا الآخرين عنه. كما يرتبط أمله وتعاسته بسخطهم عليه، وهو ما يعتبر البداية الصحيحة لتكوين الخلق القويم.

وهذا النمو الخلقي الإيجابي يجعل الطفل يحاول دوماً المواءمة بين رغباته ورغبات غيره، وبين نوازعه ودوافعه والقيم الدينية والخلقية والعرف والعادات والتقاليد الاجتماعية والنظام والقوانين، وبذلك تبدأ معالم "المسؤولية الأخلاقية" في البروز لدى الطفل حتى تتكامل في المرحلة الثالثة للنمو الخلقي، بتكامل النضج العقلي والوجداني للطفل.

وفي هذه المرحلة لابد من الاهتمام بالميل الطبيعي للمحاكاة والتقليد والاقتداء لدى الناشئ، لأنه من أهم أسس التربية الخلقية، واكتساب القيم والفضائل، وتنمية نوازع الخير في الإنسان.

وهذا ما أبرزته السنة النبوية المطهرة، ودعت إلى وجوب مراعاته بالتبصر الحكيم من طرف الآباء والمربين وكافة المسؤولين عن تعليم وتربية الناشئين، وأن يكونوا القدوة المثلى في الخلق القويم، والسلوك الكريم، وضبط النفس، واحترام الذات، والتحلي بالفضائل والخصال الحميدة.

قال رسول الله  : " ... والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم ... "( ).

ولا شك أن أُولى مسؤوليات الرعاية التي يشير إليها هذا الحديث الشريف، أن يكون الوالدان قدوة مثلى لأبنائهم في التقوى والصلاح وحسن الخلق.

قال رسول الله  : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ... "( ).

ومن أهم تأثيرات الوالدين في تربية الناشئين، التي يشير إليها هذا الحديث، تأثيرهم بالقدوة، وتأثر الأبناء بهم بالمحاكاة والتقليد، وامتصاصهم لكثير من صفاتهم الأخلاقية، ومواقفهم السلوكية، وسماتهم الانفعالية.

المرحلة الثالثة للنمو الخلقي:

في هذه المرحلة، وهي مرحلة البلوغ والمراهقة، يبدأ النمو الخلقي في الرسوخ والثبات، ويتكامل النضج العقلي والنفسي والاجتماعي في نهايتها.

وبذلك يصبح الإنسان قادراً على ضبط نوازعه، والتحكم في دوافعه، وإخضاع ذاته للمثل العليا التي تشرّبها ورسخها في داخل نفسه، وجعلها معياراً لمواقفه الأخلاقية وتصرفاته السلوكية، والالتزام الذاتي بها بغض النظر عن وجود السلطة الخارجية – المتمثلة في القوانين والنظم والعرف والعادات والتقاليد والرقابة الاجتماعية – أو غيابها.

وتكامل النمو الخلقي الذي يرتبط بتكامل النمو العقلي والنفسي والاجتماعي، هو أساس التكليف وتحمل المسؤولية وإقامة الجزاء المرتبط بالحرية وإرادة الاختيار لدى الإنسان، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.

وقد أكدت السنة النبوية وجوب تحمل الإنسان لمسؤوليته الأخلاقية، بعد تكامل نموه الخلقي والعقلي والنفسي والاجتماعي، وتحمله للتكاليف والواجبات وكيفية أدائها، وضبطه لنوازعه وتحكمه في غرائزه، وسموه بذاته. وهي المرتبطة بحريته وإرادته وقدرته على الاختيار والتمييز والإدراك.

عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله  يقول : "المجاهد من جاهد نفسه "( ).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : " الصبر عند الصدمة الأولى"( ).

وعن حذيفة قال: قال رسول الله : " لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا "( ).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله  : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"( ).

ثالثاً- أوساط التربية الخلقية:

تشترك عدة أوساط – ترتبط بها حياة الناشئ منذ فجر حياته الأولى وحتى وفاته – في رسم معالم التربية الخلقية، وتكوين الفرد أخلاقياً على نحو من الصلاح إذا كانت هذه الأوساط صالحة، وعلى نحو من الطلاح إذا كانت طالحة.

وفيما يلي نستعرض أهم هذه الأوساط وهي: الأسرة، والمدرسة، والرفاق، والمجتمع.

1- الأسرة:

تعتبر الأسرة الوسط الأول والأخطر في التكوين الأخلاقي للطفل وتوجيهه السلوكي، وتنمية قدرته على ضبط ذاته، والتحكم في نوازعه، وتعديل رغباته ومطالبه، وذلك لأن الأسرة هي أول مجتمع يقضي فيه الفرد حياته الأولى، ويرتبط به دموياً وعاطفياً في صغره وكبره، وفيها يتشرب التراث الأخلاقي والاجتماعي، ويتلقى التربية الدينية التي هي أساس الفضائل الأخلاقية، وباختصار فإن الأسرة في نظر علماء النفس والتربية هي المكان الأول ذو الخطورة الكبيرة في التنشئة الأخلاقية التي تتعدى تأثيراتها مرحلة الطفولة وتمتد حتى فترة اكتمال نضج الفرد العقلي والنفسي والاجتماعي.

وقد أكدت السنة النبوية المطهرة، خطورة دور الأسرة في التنشئة الأخلاقية، وتهذيب السلوك، واكتساب الناشئ للقيم والمثل العليا.

قال رسول الله  : "... والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم "( ).

وقال  : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .." ( ).

وقال رسول الله : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع"( ).

وقال  : " حق الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن موضعه، ويحسن أدبه "( ).

2- المدرسة:

تعتبر المدرسة، وغيرها من المؤسسات التعليمية، ذات تأثير كبير على التكوين الخلقي للفرد، وتوجيه سلوكه، وتعديل نوازعه ومواقفه واتجاهاته.

ولذلك وجب أن تراعي المناهج التعليمية خاصة، ونظم وبرامج المدرسة عامة، ربط الأهداف التعليمية والعلمية بالأهداف الأخلاقية، بحيث يكون التعليم وسيلة للترقية الأخلاقية، وتزكية السلوك، وغرس الآداب والقيم والمثل العليا والفضائل في النفوس، وتنمية القدرة على التمييز بين الهدى والضلال، والخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ، والحسن والقبيح، وفهم الدور الأخلاقي والاجتماعي الإيجابي الذي يمكن أن يساهم به الفرد في الحفاظ على كيان مجتمعه من التفكك والانحلال.

وتجدر الإشارة إلى مراعاة أن المدرسين والمربين في المؤسسات التعليمية يعتبرون قدوة مثلى، وأسوة حسنة، لأبنائهم الذين يأخذون عنهم كثيراً من صفاتهم، ويمتصون منهم كثيراً من سماتهم بالمحاكاة والتقليد، وذلك من خلال محبتهم وإعجابهم وتقديرهم لهم، ونظرتهم إليهم على أساس أنهم يمثلون صورة الكمال في كل شيء.

وقد أكدت السنة النبوية في تضميناتها التربوية خطورة دور المؤسسات التعليمية عامة، ودور العلماء والمربين، ودور المعلم، في التنشئة والتكوين الأخلاقي، والتهذيب والتقويم السلوكي.

عن أبي هريرة  قال: كان دعاء النبي  : " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع"( ).

ومن حديث ابن وهب أن رسول الله  قال: " هلاك أمتي عالم فاجر، وعابد جاهل، وشر الشر شرار العلماء، وخير الخير خيار العلماء"( ).

وقال رسول الله  وقد مرّ على مجلس ذكر، ومجلس علم: " كل على خير، يقرأون القرآن ويدعون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون وإنما بعثت معلماً"( ).

والتضمينات التربوية لهذه الأحاديث تؤكد على أهمية أن يكون العلم وسيلة لتقويم الخلق وتعديل السلوك، وتقوية الإرادة والقدرة على ضبط النفس، وفهم الأمور الأخلاقية السليمة. وإلا كان علماً لا نفع فيه للفرد أو للأمة، كما تؤكد على خطورة دور العلماء والمربين في توجيه الناشئة وتأثيرهم فيهم بالقدوة والإيحاء والمحاكاة والتقليد، ووجوب أن يكون الوسط التعليمي وسطاً نقياً طاهراً يدعم الاتجاهات الخيرة، ويقوّم الاتجاهات الخاطئة، يجد فيه الناشئون البيئة الصالحة التي تنمو فيها بذور الخلق الفاضل وتشب وتكبر وتعطي ثمارها هداية واستقامة للفرد، وصلاحاً وخيراً للمجتمع.

3- الرفاق:

وسط الرفاق يعتبر من أشد الأوساط تأثيراً في خلق الناشئ وتكوين طباعه، وتوجيه سلوكه واكتسابه للعادات المختلفة، وذلك لكون الناشئ يرتبط في هذا الوسط بأقرانه وأترابه من نفس عمره الزمني والنفسي والعقلي، وتشده إليهم عواطف قوية تبدأ مع تحوله الوجداني الطبيعي من أفراد الأسرة إلى أفراد الزمرة في الحي والمدرسة وجمعيات النشاط.

وقد أكدت السنة النبوية المطهرة تأثير الخِلاَّن والأقران في التكوين الخلقي والسلوكي للفرد، ودعت إلى حسن انتقائهم واختيارهم وذلك لتأثيرهم الإيجابي القوي إذا كانوا أخياراً، وتأثيرهم السلبي القوي إذا كانوا أشراراً، ولا نبالغ إذا ما قلنا إن الفرد، وخاصة في طور نشأته الأولى وقبل اكتمال نضجه العقلي والوجداني، مرآة عاكسة لأفعال وتصرفات أقرانه حسنة كانت أم قبيحة.

عن أبي هريرة أن النبي  قال: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"( ).

وعن أبي موسى عن النبي  قال: " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة "( ).

4- المجتمع:

للمجتمع الذي يعيش فيه الفرد، بنظمه وتراثه وقوانينه وتقاليده وعاداته واتجاهاته أثر بليغ في التكوين الأخلاقي للناشئ، فالناشئ إنما يتشرب تراث مجتمعه الأخلاقي والاجتماعي والثقافي طيلة حياته منذ نشأته إلى وفاته، بل إنه يحمل تراث مجتمعه داخل ذاته، ويشعر نفسياً بالرقابة الاجتماعية ولو كان بمفرده.

ولذلك كان من أهم واجبات المربين والمسؤولين وأولي الأمر عامة أن تتظافر جهودهم، وتتكامل برامجهم في المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية، بغية تنقية الحياة الاجتماعية من الشوائب، وتطهيرها من المفاسد، وتصفيتها من الانحرافات، فإنما الجيل الجديد صفحة بيضاء محايدة تنقش فيها قيم ومعايير وأخلاق المجتمع منذ الصغر.

ولن تفلح التربية داخل الأسرة، أو داخل المدرسة، مهما كانت سلامتها وإيجابيتها، في تكوين الخلق القويم لدى الفرد إذا كان المجتمع من حولها يعج بالفساد والانحلال، وينتشر فيه الفجور والضلال، لا يأتمر الناس فيه بالمعروف، ولا يتناهون عن منكر فعلوه.

وقد أبرزت السنة النبوية المطهرة خطورة تأثير المجتمع في التكوين الأخلاقي، ودعت إلى تطهير المجتمع وإقامة دعائمه على الفضائل والصالحات والتناصح بالخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرصاً منها على سلامة خلق الفرد الذي يرتبط بسلامة خلق المجتمع.

عن أبي سعيد الخدري  الله عنه أن النبي  قال: " إياكم والجلوس بالطرقات " فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال: " إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه " قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "( ).

وعن تميم الداري أن النبي  قال: " الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم( ).

وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله  قال: " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"( ).

وقال رسول الله  : " من رأى منكم منكراً فلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "( ).

وعن اليمان عن النبي  قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"( ).

رابعاً- الضمير والمسؤولية الخلقية:

يبدأ الضمير الخلقي في التكون لدى الإنسان منذ فجر حياته الأولى، ومن خلال صلته بالبيئة الخارجية: من والدين وأخوة وأقارب ورفاق ووسط اجتماعي، وتعامله مع النظم الاجتماعية السائدة، ومدى قدرته على التوفيق والموازنة بين رغباته ونوازعه وبين رغبات الآخرين، وبالقدر الذي تضبطه العقيدة الدينية والنظام الأخلاقي والاجتماعي.

وتحكم الطفل في بداية حياته دوافعه وحاجاته الطبيعية، ويطلب بإلحاح إشباعها وإرضاءها بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية التي لا يعيها بعد، ويحس بأن له الأمر وعلى غيره الطاعة وتلبية مطالبه.

وعندما يتقدم العمر بالطفل وينمو عقله ووجدانه بالتدريج، وتتوسع مداركه وفهمه وتزداد خبراته وتجاربه، وتتوثق علاقاته بالآخرين ويعي حدود هذه العلاقات ومتطلبات بنائها وتكييفها، يبدأ الطفل بعد ذلك في تعديل اندفاعه وانفعالاته وإلحاحه، في ضوء معرفته أنه قد لا تشبع كل رغباته وقد لا ترضي جميع نوازعه، وأنه كما يثاب على استجاباته ومواقفه الإيجابية، يعاقب على تصرفاته واتجاهاته السلبية، وهكذا وبالتدريج تتكون لديه "سلطة ضبط داخلية" هي منبع التزامه الذاتي بتجنب السلوك الخاطئ، الذي كان يجتنبه بتقويم من السلطة الخارجية، وهذا الضبط الأخلاقي الذاتي هو منبع سعادته ورضاه النفسي في حال إحسانه نتيجة لشعوره بالسرور، وهو مصدر قلقه وندمه وتوتره النفسي في حال إساءته نتيجة لشعوره بالذنب.

وبذلك نلمس أن الطفل كلما تقدم في العمر وازداد نموه العقلي ونضجه الوجداني، كلما نمت المعايير الأخلاقية داخل نفسه، وأصبحت صوتاً داخلياً يرشده في سلوكه وتصرفاته ومواقفه واتجاهاته الأخلاقية والدينية والاجتماعية.

وهذا ما يؤكده علماء النفس والتربية الأخلاقية الذين يرون أن الضمير يمثل: " معايير الفرد وقيمه ومبادئه العليا. إنه السلطة الضابطة العليا في الإنسان، فإذا لم يستجب الفرد لندائه فإنه سوف يعاقب عن طريق قوة داخلية من خلال الشعور بالذنب وكراهية الذات ونبذها "( ).

وبدراسة المضامين التربوية في السنة النبوية لا نجد ما يعارض القول بالضمير أو بالذات الأخلاقية العليا، أو بسلطة الضبط الذاتية وغير هذه من التسميات والمصطلحات التي تقرب معاني الضبط الخلقي الذاتي، بل نجد إشارات إيجابية كثيرة إلى الضمير الخلقي بمعنى الالتزام الذاتي الذي ينبني على خشية الله تعالى وخوفه، والإحساس بحضوره ومراقبته في السر والعلن، وطلب هداه والإنابة إليه والتوبة له واستغفاره على كل الأخطاء والذنوب.

قال تعالى:        ( ). وقال عز وجل:        ( ). وقال تعالى:  •      •    ( ). وقال عز وجل: •       ( ). وقال رسول الله  في تعريفه للإحسان، وهو من أهم أركان الإيمان والإسلام: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"( ).

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: " قل آمنت بالله ثم استقم "( ).

وعن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله  يقول: "المجاهد من جاهد نفسه "( ).

وعن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله  يوماً، فقال: " يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"( ).

والسنة النبوية المطهرة، وإن كانت تجعل العقيدة في مقدمة العوامل المؤثرة على تكوين الضمير الخلقي، إلا أنها تعترف بتأثير العوامل الأخرى وخاصة الوسط الأسري والوسط التعليمي ووسط الرفاق، والوسط الاجتماعي.

إن السنة النبوية وهي تنشئ الفرد المسلم على الأخلاق القويمة، وتغرس في نفسه الفضائل والصفات الحميدة، وتقوي فيه الوازع الديني، تحمله المسؤولية تجاه ربه تعالى، ونفسه وأهله وأقاربه، وجيرانه والناس أجمعين، وكل ما يشاركه الحياة في هذه الأرض من حيوان ونبات وجماد، لأن الله تعالى جعل الإنسان خليفته في الأرض، وحمله "أمانة" لم يحملها لغيره، ولابد له من أن يقوم بواجباتها على الوجه الأمثل الذي يرتضيه دينه الحنيف وأخلاقه الإسلامية الفاضلة النابعة من ذاته المؤمنة بالله، لا المفروضة عليه من سلطة خارجية يزول تأثيرها بغيابها.

والسنة النبوية وإن كانت ترى أن الإنسان يولد على الفطرة طاهراً بريئاً غير مسؤول عن الخير والشر في بداية نشأته، إلا أنها تؤكد أن الله عز وجل أنعم على الإنسان دون سائر خلقه، بالعقل وبالحواس التي تمكنه من التمييز والإدراك والتعلم والفهم ومعرفة الأحكام الصائبة، كما أنعم عليه بالإرادة وحرية الاختيار وهداه النجدين أي طريق الخير والشر، وسبيل الهدى والضلال، وهذا كله يحمل الإنسان مسؤولية التكاليف والواجبات الملقاة على عاتقه عندما يتكامل نضجه العقلي والنفسي والاجتماعي.

قال تعالى:      •             ( ). وقال:           •  ( ). وقال:      ••        •          ( ). وقال:       ( ). وقال:                ( ).

وعن حذيفة قال: قال رسول الله  : " لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا "( ).

وعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: " بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا "( ).

وعن ابن عمر  الله عنهما عن النبي  قال: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "( ).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله  " إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقاً "( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت "( ).

وعن عائشة قالت: قال رسول الله  : " الرحم مُعلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله "( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه "( ).

وعن أبي موسى عن النبي  قال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ثم شبك بين أصابعه( ).

وقال رسول الله  : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "( ).

وعن عبد الله أن رسول الله  قال: " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض "( ).

أهمية الأخلاق في المجتمع المسلم








الفصل الأول

أهمية الأخلاق في المجتمع المسلم



1- تمهيد:

إن المنهج الأخلاقي الإسلامي هو الذي أوجد هذه الأمة: انتفضت من تراب الأرض فوصلت إلى علياء السماء، فإذا هي أمة صلبة متماسكة لا مثيل لها، تفتح وتعمّر وتبني وتقيم مُثلاً أخلاقية وإنسانية غير معهودة، وتنتشر في سنوات قليلة في رقاع الأرض، تنشر النور والهدى والصلاح.

ومرت الأمة المسلمة خلال مسيرتها الطويلة، بفترات قوة ومراحل ضعف .. وهي في كل مرة كانت تنتفض فيها نحو العلاء، فكانت تأخذ بأسباب التربية السليمة التي تحّول الأمة إلى قدرة عطاء متميز وتعيد الأمور إلى نصابها.

وللأخلاق الإسلامية دور رئيس في تطبيق النظام الإسلامي، فلن يكتب النجاح لمثل هذا النظام ما لم يعدّ له الجيل الذي سيطبقه. فليس من المعقول أن يطبق الأفراد النظام المفروض عليهم، إن لم يؤمنوا به ويعتقدوا فيه عن اقتناع وبصيرة. ومن هنا ندرك سر التربية الإسلامية التي بدأها الرسول  بتكوين العقيدة قبل نزول الأحكام الشرعية التفصيلية.

وعليه فكل نهضة إسلامية أو نظام إسلامي أو نصر مؤزر في معركة … يحتاج إلى جيل مسلم أُعدّ إعداداً تربوياً خاصاً، على المبادئ ذاتها التي قررها رب العزة وبيّنها كتابه الكريم، وطبقها رسوله الأمين ، وتعلمها بالتوجيه والقدوة الجيل الإسلامي الأول، الذي مثله وعبر عنه بكلمات بليغة الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه، حين سأله رستم قائد الفرس: ماذا جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

ولن تكون صحوة، ولن يكون نصر، ولن تكون دولة مسلمة، بدون جيل تربّى على مبادئ الإسلام يقوم بذلك.



2- طبيعة القيم في نظر الإسلام:

إن النظرة الإسلامية للقيم تتصف بالكمال، لأنها تنبع من المذهبية الكاملة، لأن مصدرها هو الله عز وجل الذي يعلم خبايا الإنسان والكون وسننه، التي في إطارها يتحرك الإنسان ويمارس وظيفته في الحياة          ( ).

كما أن النظام القيمي الإسلامي هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي، ويقوم على أساس راسخ هو الإيمان بالله، "والإقرار بالعبودية الخالصة له، إذ أن هناك ارتباطاً بين طبيعة النظام الاجتماعي، وطبيعة التصور الاعتقادي، بل هناك ما هو أكبر من الارتباط الوثيق، هناك الانبثاق الحيوي، انبثاق النظام الاجتماعي من التصور الاعتقادي، هذا الانبثاق، ثم هذا التكيف، وجه من وجوه الارتباط بين التصور الاعتقادي والنظام الاجتماعي، بل منهج الحياة كله، بما فيه مشاعر الأفراد وأخلاقهم وعباداتهم وشعائرهم وتقاليدهم، وكل نشاط إنساني في هذه الأرض جميعاً"( ).

على هذا الأساس، فإن القيم التربوية من تعاون وصدق في القول وإخلاص في العمل ووفاء واحترام لكرامة الإنسان، وحب الخير للناس، وتقدير لأمانة الاستخلاف، وإغاثة الملهوف .. وصبر على الشدائد وغيرها من القيم التربوية الإسلامية، لا يمكن أن تنبع وتزدهر إلا في ظل الاعتقاد الصادق في الله ومراقبته بصفة دائمة. وهذا الشرط وحده هو الكفيل بضمان الحفاظ على المقاصد التي رمت إليها الشريعة الإسلامية. إن الإسلام يعتبر القيم عماد المجتمع وسنام نظامه، بل ونظام الأمة الاجتماعي كله، ولهذا السبب فإننا لا نجد أي مفهوم للأخلاقيات الشخصية أو التقوى يخلو من العمل الاجتماعي في ظل الإسلام، وبالتالي تحتل الشريعة مكانة سامية في إطار المجتمع الإسلامي. فإذا حدث خروج عنها، اختلت الشخصية الإنسانية وتأثر الفرد مادياً واجتماعياً، وانهار المجتمع بأكمله.

إن القيم التربوية في مفهومها الإسلامي تنشر أجنحتها على سلوك الإنسان في جوانبه الدقيقة لتضمن لها الارتقاء والتدرج في مستويات الكمال والذوق الرفيع. وإذا كان المسلمون يتفاوتون فيما بينهم في الأذواق والأشواق، فإن ذلك التفاوت يقوم على المقدار الذي يجنيه كل فرد من هؤلاء من الشحنات والدفقات التي تهبها القيم التربوية لكل متشبع بها، أي أن ذلك التفاوت ينبي – بتعبير آخر – على خط كل واحد من أفراد المسلمين في المسابقة والمسارعة إلى الخيرات التي يسعى المسلم أن يصل من خلالها إلى الله، فيقف بين يديه وهو على قدر كبير من الصفاء والارتقاء( ).

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين قائمة على أساسين( ):

الأساس الأول: يتعلق بصحة ومصداقية الأخلاق الصادرة من الدين وملاءمتها للفطرة.

والأساس الثاني: يتعلق بالشحنة القوية التي تتحرك بها الأخلاق عبر النفوس، والتي تستمد قوامها من مبادئ الدين.

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين تنبثق من شيء آخر، ذلك "أن الدين لا يقف عند الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها، إنه هو الذي يرسي قواعدها، ويحدد معالمها، ويضبط مقاييسها الكلية، ويضع الأمثلة للكثير من جزئيات السلوك، ثم يغري بالاستقامة، ويحذر من الانحراف، ويضع الأجزية مثوبة وعقوبة على كلا السلوكين نصب العين"( ).

أما الأخلاق النظرية التي يضعها الفلاسفة، فهي تولد باردة لا تجدي فتيلاً في تحريك النفوس وبعث الحرارة فيها، بل إنها تزيدها صقيعاً على صقيع، لأنها تقوم على أساس واه لا يكاد يثبت أمام عوادي الزمن وصروف الحياة، قال الفيلسوف الألماني "فيخته": الأخلاق من غير دين عبث. وقال الزعيم الهندي "غاندي": إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد، لا يقبلان الانفصال، ولا يفترقان عن بعضهما البعض، فهما وحدة لا تتجزأ. إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجوارح للروح، وبعبارة أخرى: إن الدين يغذي الأخلاق، وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه( ).

إن حقيقة ارتباط الأخلاق بالدين قد أصبحت حاضرة، ويزداد الوثوق واليقين يوماً بعد يوم في أذهان العقلاء من الغربيين، الذين توصلوا إلى أنه بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون.

3- بداية الصراع:

لقد ظلت القيم الإسلامية تهيمن على حياة المسلمين منذ عصر النبوة، وعبر العصور التاريخية المختلفة، إلى أن جاءت الضربة القوية من جانب الاستعمار، فبدأت القيم الإسلامية في التلاشي، وبدأ كيان المجتمع الإسلامي في الانحلال.

وإذا كانت المهاول التي استخدمها الاستعمار (التنصير، البعثات الدراسية إلى الخارج، وسائل الإعلام، نشر المدارس الأجنبية في البلدان الإسلامية، الاستشراق) قد تضافرت في الإجهاز على الكيان الإسلامي وعلى الشخصية الإسلامية، "فإن حركة الاستشراق الماكرة ، قد كان لها في عقل المسلم ونفسه، وتحوله إلى جسم مشلول أو مقطوع الصلة بأمته وكيانه الحضاري الأصيل، بل أكثر من ذلك تجعله يتحول إلى عنصر هدم وتدمير في بناء الأمة، بحيث يتنكر لها ويناصبها العداء"( ).

لقد وجه الدارسون للإسلام والحضارة الإسلامية من المستشرقين جهودهم إلى تمهيد نفوس المسلمين لقبول واستقبال الهيمنة الأوربية بكامل الرضا والاطمئنان، والإقرار لها بالولاء. ومعنى ذلك، بل وسيلة ذلك هو إضعاف القيم الإسلامية عن طريق تقديم شروح وتأويلات تعسفية ومشوشة لمفاهيم الإسلام وقواعده، وصولاً بشباب المسلمين إلى مرحلة الشك واهتزاز اليقين بتعاليم الإسلام وقداستها.

ويعمل تلاميذهم الآن في ديار المسلمين على نفثها، فيخرج على أيديهم أجيال فارغة الفؤاد، بليدة الإحساس، يصدق عليها بحق قول المفكر والشاعر الإسلامي الكبير "محمد إقبال" رحمه الله: "إن الشباب المثقف فارغ الأكواب، ظمآن الشفتين، مصقول الوجه، مظلم الروح، مستنير العقل، كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس .." ( ).

هذه هي الوضعية الأليمة المحزنة التي آلت إليها نتيجة الصراع بين حضارة الإسلام، بل بين مسلمين لم يحفظوا حضارتهم ولم يراعوا ميثاق وعهد ربهم، وبين حضارة الغرب … ولكن لسوء حظ هذا الغرب الشارد، فخزائن الإسلام لم تنفذ، وجذوة الإسلام لا يكاد يخبو أوارها، حتى تعيد الكرة من جديد، وتتوهج لاستعادة الحياة الإسلامية، على أساس القيم الإسلامية.

وإذا كانت الرؤية الإسلامية للحياة ونظام القيم المنبثق منها يؤديان بطبيعتهما إلى إقامة الانسجام والتكامل بين الإنسان والكون، بحيث يسيران بإيقاع متوازن، جنباً إلى جنب، نحو تحقق مراد الله في الوجود، فإن الرؤية المادية ونظامها القيمي يقودان حتماً إلى ارتطام الإنسان بالكون، إذ العلاقة بينهما تصور في إطار المنظور المادي في صورة الصراع الرهيب، وكأن

كلاً منهما قد وضع في استقلال عن الآخر. وأن ما يجري بينهما خلال عصور التاريخ هو عملية سطو وعداء، لا علاقة توافق وإخاء.

لقد أصبحت فكرة الصراع وهي التي تحكم حركة الإنسان المادي، الصراع مع كل شيء، مع نفسه، ومع الكون، ومع الآخرين، ولا مفر له من ذلك ما دام سجين النظرة المادية.

لقد ضربت النظرة المادية نفس الإنسان الغربي، وتركتها صفصفاً مهجورة من قيم الخير والاستقامة، وخرّبت بذلك المجتمع وفوّضت دعائمه وجففت منابع الخير والصلاح فيه.

4- القيم التربوية في المجتمع المعاصر:

فمثلاً قيمة العفاف أو العفة، إذا انطلقنا من تفسير علماء الأخلاق للعفة وهي "ضبط النفس واعتدال ميلها إلى اللذة، سواء في ذلك اللذائذ الجسمية من المأكل وغيره، واللذائذ النفسية من الانفعالات والعواطف". إذا انطلقنا من ذلك التعريف، ونظرنا في ضوئه إلى واقع المجتمع المعاصر، فإننا نراه بعيداً كل البعد عن معاني العفة، متهالكاً على الملذات، يعب منها بنهم لا ينتهي، وظمأ لا يرتوي، وليس ذلك بالغريب، إذ أننا لا يمكن أن ننتظر سلوك العفة أو خلق الاعتدال من أناس يعتقدون أن مساحة الحياة لا تتجاوز العالم الدنيوي الأرضي إلى عالم آخر من صفته الأبدية والخلود.

إنه عالم تنتهك فيه الأعراض وتذبح القيم، وتقدم قرباناً للعجل الذهبي. فلا مكان إذن للعفة والغيرة، في خضم الغرائز الهائجة والأهواء الطائشة، والمطالب التي لا تقف عند حد.

قيمة الصدق. إذا لم يكن هناك عفاف، فمن أين لقيمة الصدق أن تتسرب إلى ذلك المجتمع، إن المجتمع المعاصر أصبح محروماً من جهاز المناعة الذي يقيه من الجراثيم الفتاكة التي تنفذ إلى كيانه، ومن هنا فإن مالا يحصى من تلك الجراثيم السامة تنفذ إلى رئتيه وعقله وقلبه، تعبث فيه كما تشاء، دون أن يصدر منه أدنى رد فعل. "لقد أصبح النفاق والغش والكذب والتذبذب، وكلها صفات حذرت منها الأديان السماوية، إلى جانب تنافيها مع المثل الإنسانية التقدمية والمعنوية والفلسفية والخلقية، أصبحت هذه الصفات ضرباً من التكتيك المشروع في الأيدولوجيات المعاصرة للدول الكبرى، وليس فقط على مستوى الفرد، وإنما على مستوى الجماعات بل والمجتمع بأكمله"( ).

وهكذا بقيم القيم التربوية .. حيث إن الاختلاف بين الإسلام والفلسفة المادية في المنطلق العقائدي، كان له أثره الحتمي على خصائص القيم المنبثقة عن كل منهما. فبينما القيم في الإسلام يطبعها الثبات والعمق والوحدة، فإن القيم المادية لا تنعم بأية خاصية من تلك الخصائص، ولذلك فإننا نجد المجتمعات الغربية المعاصرة " تكيل بمكيالين، وتتعامل بوجهين، وتطبق الدساتير العادلة داخل بلادها دون أن تستخدمها في مستعمراتها"( ).

وإذا كان الإسلام يتسم في نظرته إلى الإنسان بالواقعية، التي يأخذ بموجبها كل أبعاد الإنسان الحيوية بعين الاعتبار والتقدير، فإن المذاهب المادية التي حفل بها المجتمع المعاصر، كثيراً ما سقطت في الخيال المجنح بعيداً عن الإنسان الواقعي، وما ذلك إلا للجهل المطبق بالإنسان ومكوناته.

إن نظرة الإسلام إلى الإنسان نظرة تكريمية، تعتبره خليفة في الأرض، مفضلاً على كل ما فيها من كائنات .. أما النظرة المادية فهي تهدر كرامة الإنسان وتمرغها في الأوحال، فهو عندها لا يعدو أن يكون فصيلة من فصائل الحيوان.

وإذا كانت المذاهب المادية المعاصرة تنحو منحى متطرفاً في تعاملها مع الكيان البشري، بحيث أنها تضرب على أوتار المادية الغريزية، وتكبت فيه أشواقه الروحية، فإن الإسلام يحقق توازناً رائعاً بين مطالب المادة والروح، بحيث لا نجد أدنى تناقض بين القيم ذات الوجه المادي، والقيم ذات الوجه الروحي.

إن الإسلام يربط الأخلاق بالشرع، فالشرع هو الذي يحسّن ويقبح، وليست الأخلاق متروكة للإنسان ينظر فيها بعقله، لأنه فضلاً عن كونه بطبيعة آفاقه المحدودة، عاجز عن العثور على نسق شمولي يستجيب لحاجات الإنسان وتطلعاته الحضارية، فضلاً عن ذلك، فإن نسقه ذاك حتى وإن كان فيه قدر من الصواب، فإنه يظل جسداً راكداً لا حياة فيه.

فالعقيدة هي التي تبعث الحياة في القيم، إذ هي تحفز الفرد إلى الفعل أو الترك. إذا كانت الأخلاق على هذه الصورة في الإسلام، فهي في الغرب أخلاق نظرية باردة تفتقد إلى المحرك الذي يصلها بقلب الإنسان ووجدانه( ).

إن الإسلام يربط ربطاً محكماً بين العقيدة والعبادة والأخلاق، فالعقيدة الصحيحة لابد أن تعبر عن نفسها في العبادة الخاشعة الصادقة، وهذه لابد أن تؤدي إلى ممارسة الفضائل الأخلاقية، فهي (أي العبادة) ما لم تثمر الأخلاق الفاضلة من أمانة وصدق وإخلاص وحب وإيثار وبر، فلا قيمة لها.

إن أول شيء تثمره القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان المسلم هو تقوية صلته بالله عز وجل، إلى الدرجة التي تجعله يراقبه في السر والعلن، في كل حركاته وسكناته، فهو لا يقدم على شيء إلا وهو يراعي حرمة الله ويرجوا له وقارا. ومعنى ذلك أن المسلم في علاقته مع ربه، يستشعر الخشية والخوف منه، في نفس الوقت الذي يتوجه إليه بالرجاء.

وهذه الخصائص الشخصية الممتازة هي وحدها التي تفسر سر ذلك الانطلاق الهائل الذي حققه الإنسان المسلم في كل ميدان من ميادين الحياة العلمية والإنتاجية، وتفسر لنا مدى الالتزام بمبدأ الاتفاق في العمل، والحرص على اجتناب قبائح النفس ورذائل السلوك.

إن أثر القيم الإسلامية في الشخصية لا يخص جانباً من جوانب النفس دون الأخرى، بل إنه ليهيمن عليها حتى لا يدع دقيقة من دقائقها، إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صدقاً في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاوناً فيها على البر والتقوى، عفيفاً معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.

هكذا يتضح لنا الأثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإسلامية الإنسانية، بحيث تصوغها صياغة ربانية تمس كل موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه على هدى من الله.

5- أزمة القيم وإشكالية التخلف الحضاري:

ظلت الأمة الإسلامية متماسكة البناء الحضاري، متألقة في سماء الإبداع والعطاء، ممثلة نموذجاً فذاً للنظام الذي يحقق للإنسان إنسانيته، ويحفظ له كرامته، ويضمن له فعالية مطردة في مجالات التقدم، ولم يتحقق هذا إلا بفضل ذلك المنهج الحضاري الشامل.

ولكن أتى عليها حين من الدهر، وجدت نفسها وقد ولى عنها ذلك المجد الزاهي، فرجعت القهقري، وبتعبير آخر تخلفت وتأخرت، وحلت بها أزمة.

والواقع أننا عندما نحكم على أمة بالتخلف، لابد لنا من مقياس نستند إليه في ذلك الحكم، ولكن الذي ينبغي أن ينعقد عليه يقيننا، أن ذلك المقياس ليس هو إطلاقاً نموذج الغرب وحضارته المادية، وإنما هو النموذج الإسلامي المتكامل الذي تجسد على أرض الواقع ردحاً من الزمان، وأشع بأنواره على البشرية كلها، ولا يزال إلى الآن وإلى الأبد مثالاً ترنو إليه الأبصار والعقول، التي تدرك المعنى الحق للحضارة والتقدم.

والسبب في ذلك هو أن النموذج الغربي قد قام على أساس مادي صرف، وعلى رؤية مبتورة لمفهوم التقدم مشتقة من رؤيته للكون والحياة والإنسان، وهي رؤية لا تحتل منها القيم الأخلاقية والفضائل التي تسمو بحياة الإنسان وتميزه عن الحيوان حيزاً يذكر.

ومن هنا وجب تحرير عقول المسلمين من ذلك الاقتران الخطير الذي درجت على استساغه، وهو الاقتران بين التقدم ومجتمع العرب، غافلين عن أن ذلك الطراز إذا وضع في ميزان الإسلام، سيكون مصيره الرفض، لأنه يهتم بإشباع حاجات الإنسان المادية، ويخنق فيه حاجاته الروحية، وهو في النتيجة والمآل سينعكف على منتجاته المادية ويدمرها تدميراً، في غياب الحصن الأخلاقي الذي يحمي مكاسب الإنسان الحضارية ويصونها من الفساد.

ومن هنا فإننا عندما نتحدث عن التخلف الحضاري للأمة العربية الإسلامية، فلا يخطرن ببال أصحاب العقول الراجحة أننا نقيس الأمة الإسلامية على الحضارة الغربية، بل إننا نصف الأمة الإسلامية بالتخلف ونحن على يقين أن من أهم أسباب تخلفها الجري وراء نموذج الغرب ومحاولة الاقتداء به، والسير في ركابه ورؤية الحياة كما يراها هو، والاصطباغ بصبغته المادية التي حولت الإنسان إلى بهيمة سائمة، بل أضل سبيلا( ).

إن النتيجة الحتمية التي نحصدها من جراء الدوران في فلك الغرب هي التأرجح والمراوحة، " فلا نحن أبقينا صلاتنا المختلفة المنسجمة مع الماضي، تحت مظلة السنن الكونية للتطوير في ميزان المنطق والعلم، ولا نحن حققنا شيئاً من أمنيات اللحاق بنهضة تشبه نهضة الآخرين، بل بقينا نتهارج ونتخاصم في سجن هذا المنعطف الثقيل .." ( ).

لقد كان فقدان الأخلاق سلطانها على النفوس في مجتمعنا الإسلامي كانت هي قاصمة الظهر التي أحدثت شرخاً مهولاً في البناء الاجتماعي، أي أنها علة مباشرة في التخلف الذي نعاني منه.

كما أن الفرقة التي عصفت رياحها العاتية ببناء الأمة الإسلامية تعود إلى غرس خبيث ألقى الاستعمار بذوره في تربة المجتمع المسلم، وهو غرس الأنانية وحب الذات، الذي جعل الفساد والتصدع والانفكاك يدب في أوصال المجتمع.

أما الوسائل والقنوات التي استخدمها الاستعمار لتمرير مفاهيمه وتنفيذ برنامجه التخريبي، فإن أول وسيلة أمامنا هي التعليم والإعلام، حيث استخدمها في غسل العقول وإفراغها تماماً من شحناتها الإسلامية التي تربطها بالعقيدة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وملئها بشحنات جديدة تقيم رباطاً مشوها بينها وبين حضارة الغرب، يتمخض عن نماذج بشرية غريبة.

وهكذا تمكن الاستعمار من خلال نظامه التعليمي، أن يطمس معالم الوعي الإسلامي ويبلد الحس الإسلامي في نفوس الأفراد من خلال( ):

1- إضعاف روح الاعتزاز لدى المسلم، وإحلال محلها الشعور بالنقص إزاء الغرب، والسعي إلى التغيير – إذا وجد هذا السعي – وفقاً للمفهوم الغربي.

2- بث النزعة الليبرالية التي تتنافى مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أعظم ضابط لحياة المجتمع.

3- محاولة الاستعمار إسقاط بعض القيادات الفكرية في شباكه، واتخاذها معاول لإحداث الخرق، بل لتعميقه داخل البنيان الاجتماعي المسلم.

هذه بعض أسباب ونتائج ومظاهر أزمة التخلف الحضاري في المجتمع الإسلامي، وقد تبين لنا أن البناء الحضاري بدأ يتآكل نتيجة لنسف أسسه العقدية وما يرتبط بها من قيم تربوية تقوم عليها الشبكة الاجتماعية المتماسكة.

6- سبيل الخروج من أزمة التخلف:

إن المجتمع المسلم لم يترك وشأنه يقرر مصيره بنفسه، ويحل مشاكله بمحض إرادته المستقلة، وإنما وقع – بفعل الإرث الثقيل الذي خلفه المستعمر وراءه – تحت طائلة الضغوط والتأثيرات التي مارستها القوى الاستعمارية، من خلال تلامذتها الذين ربتهم على أعينها وأكلأتهم برعايتها، بحيث شكل هؤلاء قوة أو طابوراً موصولاً بمراكز القرار الاستعمارية، أقحم نفسه في عملية إيجاد الحل لمعضلة التخلف والركود التي يعاني منها المجتمع المسلم.

فالحلول المطروحة غريبة كل الغرابة عن تاريخ وكيان المجتمع المسلم، بل عن الإنسان من حيث هو إنسان وفطرته السليمة. وهي إنما طرحت لتبدد طاقة الأمة وتهددها في التناقضات، وهي – أي الأمة – التي قام وجودها خلال التاريخ الطويل على أساس فلسفة التوحيد التي تلم الشمل، وتوحد القوى في وجهة واحدة موحدة الأهداف.

ومن هنا يتبين لنا أن السر في إخفاق الحلول المستوردة في المجتمع المسلم، هي تلك الفجوة بل الهوة العميقة بينه وبين الغرب على المستوى النفسي والحضاري، بحيث إن الأيديولوجيات الغربية لم تستطع أن تنفذ إلى صميم أفراد المجتمع وتحرك كوامنهم، لأنها لم تخاطب الإنسان في جميع أبعاده. لقد خاطبت عقله دون أن تخاطب وجدانه وروحه، وقدمت له برامج اجتماعية دون أن تقدم له أجوبة مقنعة حول أسئلته الوجودية وأحواله الشخصية وعلاقته الأسرية والتزاماته الأخلاقية، وألزمته بالنضال الخارجي دون أن يكون لها سلطان على خلجان نفسه وأشواق روحه.

إن الأيديولوجيات الغربية كان لابد أن تسقط وتلاقي الإخفاق لدى احتكاكها بالمجتمعات العربية الإسلامية، لأنها تفتقد لشروط ومقومات النجاح وهي( ):

أولاً: الإقناع الفكري الذي يستجيب لتطلعات الإنسان إلى المعرفة الحقة، حول القضايا الوجودية التي تقرر مصير الإنسان في الحال والمآل، والذي لن تهدأ له نفس ولن يرتاح له ضمير في ظل حرمانه من الحصول على أجوبة شافية عنها.

ثانياً: منهج تغيير اجتماعي كفيل بتحقيق متطلبات الإنسان من الحرية والعدل والمساواة والكرامة، بما يتوافق وينسجم مع الأسس العقدية المناسبة لفطرة الإنسان.

إن هذين الشرطين لنجاح العقيدة في استنفاد طاقات الإنسان ودفعها في المسار الإيجابي، ليس لهما وجود في غير الإسلام، دين الله المنزه عن التحريف والتبديل، ففي ظل الإسلام وحده يرتبط منهج التغيير الحضاري بالعقيدة التي تأخذ بجماع كيان الإنسان، وتحول عنده مسألة الجهاد في سبيل تحقيق التقدم والازدهار إلى التزام بالعقيدة، يعتبر الإخلال به إخلالاً بمقتضياتها( ).

فالذي ننتهي إليه من خلال ما سبق هو التأكيد على القناعة الراسخة في وجدان وعقل كل مسلم حق، وهي أن لا سبيل إلى البعث الحضاري المنشود في غياب المنهج الإسلامي في البناء.

إن المجتمع المسلم مطالب بالإعداد الواسع النطاق لبناء الشبكة الاجتماعية من جديد، أي لجعله يعيش المرحلة الأولى من المراحل التي يمر بها المجتمع التي تحدث عنها مالك بن نبي، وهي المرحلة الروحية التي تكون فيها العلاقات الاجتماعية في أكثر حالاتها كثافة، لا في أكثرها امتداداً. هذه الكثافة التي يعبر عنها القرآن الكريم بعبارة (البنيان المرصوص) في قوله تعالى  •          •  ( ).

وهذه المرحلة تتميز بتوظيف جميع قوى المجتمع، وتكون هذه الأخيرة في تصاعد مستمر، وتقضي من طريق هذا المجتمع، خلال هذه المرحلة كل عناصر التقاعس والتثبيط( ).

والخطوة الأولى في سبيل البعث الحضاري، ومعالجة التخلف الذي يطبق على الأمة الإسلامية هي: تصحيح العقيدة وتقويتها في نفوس المسلمين، حتى ينتج عنها ما تقتضيه من تأثير على كل ميادين الحياة، وترتبط بتصحيح العقيدة تبصير الإنسان المسلم والجماعة المسلمة بوظيفتهم في الحياة لكي لا تتحول حياتهم إلى عبث.

ذلك أن "العالم الإسلامي اليوم إنما يعاني من وطأة تخلفه هذا، بسبب الغشاوات والحجب الكثيفة التي أسدلت على بصيرته فأقصته عن معرفة حقيقة الإنسان والحياة التي يتمتع بها، والدنيا التي تطوف من حوله، وعن معرفة المهمة التي خلق الإنسان للنهوض بها في هذه الحياة"( ).

إن تعريف المسلم بهذه الأمور الأساسية، يجعله في منجى من التأثيرات المدمرة، التي تنبعث، بل تتدفق كالسيل، من التيارات الأجنبية التي تتصارع من حوله، ويكسبه الميزان الدقيق الذي يزن به الغث والسمين، ويميز بين الحق والباطل.

والخطوة الثانية في طريق الخروج من التخلف: تتجسد في تصحيح القيم الخلقية التي اكتسبت خلال عصور الانحطاط طابع السلبية والتثبيط، فنتيجة لأوضاع التخلف أخرجت كثير من القيم الإسلامية عن مفهومها الحق.

فالصبر وهو قيمة إسلامية عظيمة الشأن، تحول إلى دعوة للخنوع واستساغه للمذلة والطغيان، بدلاً من الصبر على مشاق العبادة والجهاد ومصاعب بناء الحياة، والصبر على الأذى في سبيل تحقيق المطامح العظيمة للمسلمين، قال تعالى:      •          ( ).

وقس على ذلك مختلف القيم التربوية التي ينبغي أن تأخذ مفاهيمها الصحيحة في ضوء الكتاب والسنة وسيرة الرسول  وصحبه الكرام.



الاثنين، 4 أكتوبر، 2010

التنطير والتأصيل لفقه الأقليات المسلمة



















1- مقدمــة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى أهله وصحبه وسلم.


وبعد،،،


فبعد الحرب العالمية الثانية، اضطرت أوروبا إلى فتح أبوابها أمام اليد العاملة -خاصة المسلمة- فكانت هجرة المسلمين إلى أوروبا ليسوا فاتحين، وإنما طالبين للعمل، أو طالبين لحق اللجوء السياسي، أو طالبين للعلم والخبرة.


وظهرت المصاعب والتحديات أمام اندماج المسلمين في الحياة اليومية بأوروبا، خاصة مع ظهور الجيل الثاني والثالث، فظهرت الحاجة إلى هذا النوع من الفقه.


فقه الأقليات المسلمة( 1)، وهو فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعي بظروف الجماعة، وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة يصلح لها ما لا يصلح لغيرها.


ولعل المشكلة الأساسية التي تواجه الأقليات المسلمة هي عملية "الاجتهاد" بمفهومه العام، الذي هو محاولة تنزيل النص الشرعي، مصدر الحكم في الكتاب والسنة على الواقع، وتقويم سلوك الناس ومعاملاتهم به، ومحله دائماً المكلف وفعله. وهذا يتطلب بعد فقه النص، النظر إلى الواقع البشري وتقويمه، من خلال النظر للنص وكيفيات تنزيله في ضوء هذا الواقع البشري.


فتغير الواقع وتبدل الحال، يقتضي بالضرورة إعادة النظر بالاجتهاد


أو بالحكم الاجتهادي، لأنه يشكل محلاً لتنزيل الأحكام مختلفًا كثيرًا عما كان عليه الحال مسبقًا.


إن هذه الأقليات المسلمة تحتاج إلى فقه خاص، يقوم على اجتهاد شرعي قويم، يراعي مكانها وزمانها وظروفها الخاصة، وأنها لا تملك أن تفرض أحكام شريعتها على المجتمع الذي تعيش فيه، وأنها مضطرة أن تتعامل وفق أنظمة ذلك المجتمع وقوانينه، مع أن بعضها يخالف شريعة الإسلام، وتلك هي مشكلة البحث.


المنهج المتبع في البحث:


وقد اتبع الباحث المنهج الاستدلالي التحليلي، حيث التدليل على كل ما يطرحه من أفكار، مع تحليل ما استقرأه من النصوص والأفكار.


خطة البحث


اشتمل هذا البحث -بعد المقدمة- على النقاط التالية:


 أهداف وخصائص فقه الأقليات.


 مقاصد الشريعة وفقه الأقليات.


 ركائز فقه الأقليات.


 القواعد التي يمكن توظيفها في فقه الأقليات.


 بعض قضايا الأقليات المسلمة.


 نتائج البحث.


2- أهداف وخصائص فقه الأقليات


الفقه الذي ننشده للأقليات المسلمة في أنحاء العالم له أهداف وخصائص يسعى إلى تحقيقها في إطار أحكام الشريعة وقواعدها منها(2 ):


أولاً: أن يعين هذه الأقليات المسلمة –أفراداً وأسراً وجماعات- على أن تحيا بإسلامها حياة ميسرة بلا حرج في الدين، ولا إرهاق في الدنيا.


ثانياً: يساعدهم على المحافظة على جوهر الشخصية الإسلامية المتميزة بعقائدها وشعائرها وقيمها وأخلاقها بحيث تكون صلاتها ونسكها ومحياها ومماتها لله رب العالمين، وبحيث تستطيع أن تنشئ ذراريها على ذلك.


ثالثاً: أن يمكِّن المجموعة المسلمة من القدرة على أداء واجب تبليغ رسالة الإسلام العالمية لمن يعيشون بين ظهرانيهم.


رابعاً: أن يعاونها على المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها، وتنعزل عن مجتمعنا، وبذلك تحقق المحافظة بلا انغلاق، والاندماج بلا ذوبان.


خامساً: أن يسهم في تثقيف هذه الأقليات وتوعيتها، بحيث تحافظ على حقوقها وحرياتها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كفلها لها الدستور، حتى تمارس هذه الحقوق المشروعة دون ضغط ولا تنازلات.


سادساً: أن يعين هذا الفقه المجموعات الإسلامية على أداء واجباتهم المختلفة: الدينية والثقافية والاجتماعية، دون أن يعوقهم عائق.


سابعاً: أن يجيب هذا الفقه المنشود عن أسئلتهم المطروحة، ويعالج مشكلاتهم المتجددة، في مجتمعهم وبيئتهم.


* ولهذا الفقه المنشود خصائص لابد أن يراعيها، حتى يؤتي أكله، ويحقق أهدافه، تتمثل فيما يلي(3 ):


أولاً: هو فقه يجمع بين التراث الإسلامي الفقهي وظروف العصر وتياراته ومشكلاته.


ثانياً: يربط بين عالمية الإسلام وواقع المجتمعات التي يشخص لها.


ثالثاً: يوازن بين النظر إلى نصوص الشرع الجزئية ومقاصده الكلية.


رابعاً: يرد الفروع إلى أصولها، ويعالج الجزئيات في ضوء الكليات، موازناً بين المصالح بعضها وبعض، وبين المفاسد وبعضها وبعض، وبين المصالح والمفاسد عند التعارض في ضوء فقه الموازنات وفقه الأولويات.


خامساً: يلاحظ ما قرره المحققون من علماء الأمة من أن الفتوى تختلف باختلاف المكان والزمان والحال والعرف وغيرها.


سادساً: يراعي الحفاظ على تميز الشخصية المسلمة للفرد المسلم والجماعة المسلمة، مع الحرص على التواصل مع المجتمع من حولهم، والاندماج به والتأثير فيه بالسلوك والعطاء.


3- مقاصد الشريعة وفقه الأقليات


لاشك أن شريعتنا الإسلامية جاءت بحكم وأسرار وعلل تحقق مصالح العباد في الدين والدنيا، وقد اهتم العلماء ببحث ذلك، وقرروه وأصلوه وبرهنوا عليه باستقراء النصوص والأحكام، يقول علال الفاسي: "المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلِّفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع(4 )".


والمقاصد التي نتعرض لها هنا هي المقاصد التي نرى أنها يمكن توظيفها توظيفاً مباشراً في أحكام تتعرض لها هذه الأقليات المسلمة، ويدخل عليها الحرج بسببها، ومن ذلك:


أولاً: نشر الإسلام وحمل الدعوة وتبليغها.


لاشك أن هذا مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، دلت لذلك نصوص وتشريعات كثيرة، قال الله تعالى:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا((5 ، وقال تعالى: ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ(( 6)، وقال رسول الله  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"( 7)، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الجهاد، وترغب فيه وتبين حدوده وأحكامه، وتحث على الدعوة والتبليغ، وقد أخبر  أن هذا الدين سيظهر ولا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله، من حديث تميم الداري قال: سمعت رسول الله  يقول: "ليبلغن هذا الأمر –أي الإسلام- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر" ( 8).


ويمكن توظيف هذا المقصد في حسم الخلاف في جواز إقامة مثل هذه الأقليات ببلاد غير المسلمين، ومن ثم توظيفه في التماس الرخص والسهولة واللين لهذه الأقليات، ما دامت تضطلع بهذه المهمة وتخدم هذا المقصد الشرعي.


ثانياً: ترغيب الناس في الإسلام


يبدو للناظر في الشريعة الإسلامية أن بها مجموعة من الأحكام والتشريعات قصدت الترغيب في الإسلام، وفتحت الباب على مصراعيه لكل من تسول له نفسه الدخول فيه، فتضمن له المستقبل، وتطهره من كل ما مضى، حتى لا يبقى عنده خوف، ولا تقوم أمامه عرقلة، ويفهم ذلك مما يلي:


أ- أن الكافر بمجرد دخوله في الإسلام، تغفر ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، بدليل قوله  : "الإسلام يَجُب ما كان قبله"( 9).


وقد اتفق علماء الأمة على أن توبة الكافر مقبولة مطلقاً، واختلفوا في توبة المؤمن هل قبولها قطعي أو ظني.


ب- أن الكافر إذا أسلم يقر على نكاحه، ولا ينظر في عقده،ولا في صداقه، ولا في حيثية من حيثياته الأخرى، المهم أن لا يكون فيه ما يمنعه في الحال، كالتحريم بسبب النسب أو الصهر أو الرضاع، وأن لا يزيد على أربع، وإذا كان عنده أكثر منهن فليختر أربعاً، كما في حديث غيلان بن أميه حيث قال له  : ”اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" ( 10)،


ج- أن الله سبحانه وتعالى جعل في الزكاة سهماً للمؤلفة قلوبهم وإن كانوا أغنياء.


فهذا يدل على أن الشريعة قصدت إلى ترغيب الناس في الإسلام، فأعطت للداخل الجديد كل الضمانات التي تجعله يطمئن على كل أموره الأساسية.


4- ركائز فقه الأقليات


يقوم فقه الأقليات المنشود على ركائز أساسية يجب أن يراعيها أكثر من غيره، وإن كان الفقه كله في حاجة إليها، منها( 11):


أولاً: لا فقه بغير اجتهاد معاصر قويم.


حيث إن الفقه الذي ننشده للأقليات المسلمة- ليحقق الأهداف والغايات المنوطة به- لا يتحقق إلا من خلال اجتهاد صحيح صادر من أهله في محله.


وإذا كان الفقه كله يحتاج إلى الاجتهاد بنوعيه الانتقائي والإنشائي، فإن فقه الأقليات أشد حاجة، للظروف التي تعيشها الأقلية بين ظهراني أكثرية تخالفها في الدين، وبالتالي في الكثير من المفاهيم والسلوكيات والتقاليد.


وهذا الاجتهاد إنما هو جزء من التجديد الذي حدثنا عنه النبي  حين قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)).


والتجديد للدين يشمل تجديد الفقه فيه والفهم له، وتجديد الإيمان به، والالتزام بتعاليمه، والدعوة إليه بلسان القوم والعصر حتى يبين لهم، ولا يتجدد الفقه والفهم للدين إلا باجتهاد معاصر قويم( 12).


ثانياً: مراعاة القواعد الفقهية الكلية.


وذلك بالرجوع والاستناد على تلك القواعد التي أصلها الفقهاء، استمداداً من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والاستدلال منها والبناء عليها، وهي كثيرة، ولها تطبيقاتها المتعددة في الجزئيات والفروعيات العملية المختلفة( 13).


ثالثاً: العناية بفقه الواقع.


ولا يستطيع هذا الاجتهاد المعاصر المرجو أن يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، إلا إذا ضم إلى فقه النصوص والأدلة: فقه الواقع.


وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر. فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا.


فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله( 14).


والفقيه الحق –كما قال ابن القيم- "هو الذي يزاوج بين الواجب والواقع، فلا يعيش فيما يجب أن يكون فقط، بل فيما هو كائن، وبهذا يعرف ما يفرضه الواقع من أحكام، فكثيراً ما ينزل من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى"( 15).


إن واجب الفقيه أن يدرس الواقع دراسة علمية موضوعية، بكل أبعاده وعناصره ومؤثراته، بإيجابياته وسلبياته، ما له وما عليه.


ومن واجب هذا الفقه الواقعي، أو هذا الاجتهاد المعاصر: أن يعرف حقيقة الأقلية المسلمة التي يفتى لها، فلا شك أن الأقليات تتفاوت فيما بينها تفاوتاً بعيداً.


فالأقلية التي يكون معظمها من الوافدين المهاجرين، غير الأقلية التي يكون معظمها من المواطنين الأصليين.


والأقلية المستضعفة غير الأقلية المتمكنة ذات الحال والجاه والنفوذ، والأقلية المحدودة العدد، غير الأقلية الكبيرة.... وهكذا.


رابعاً- التركيز على فقه الجماعة لا مجرد الأفراد:


ومما يساهم في ترشيد فقه الأقليات: التركيز على الأقلية باعتبارهم جماعة متميزة، لها هويتها وأهدافها ومشخصاتها، ولا يمكنها أن تتغافل عنها.


وينبغي لأهل الفقه أن ينظروا إلى هذا الكيان الجماعي وما يتطلبه من مقومات، وما له من ضرورات وحاجات، وكيف تستطيع الجماعة أن تعيش بإسلامها في مجتمع غير مسلم، قوية متماسكة، مؤمنة بالتنوع في إطار الوحدة.


خامساً- تبني منهج التيسير:


وذلك إتباعاً للتوجيه النبوي: حينما بعث الرسول  أبا موسى ومعاذا "رضي الله عنهما" إلى اليمن فأوصاهما بقوله: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا"( 16)، وروى عنه أنس: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"(17)، وهذا المنهج هو منهج القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ( 18_ ، وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ(( 19)، وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا(( 20)، وقال : "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ( 21)، وغير ذلك من النصوص العديدة.






سادساً- مراعاة سنة التدرج:


وينبغي أن يقوم فقه الأقليات على سنة التدرج، رعاية لظروفهم واغترابهم عن المجتمع المسلم، والتدرج سنة كونية وسنة شرعية، فلا مانع أن نتدرج معهم إذا كانت لهم ظروف غير مساعدة.


سابعاً- التحرر من الالتزام المذهبي:


ومن الضروري: ألا يضيق المفتي المسلم على الناس بالتزام مذهب معين،لا يخرج عنه بحال، بل عليه أن يخرج بالناس إلى باحة الشريعة الواسعة( 22).


ثامناً- مراعاة قاعدة: تغير الفتوى بتغير موجباتها:


ومن أعظم ما يقتضى التخفيف والتيسير: أن يكون المستفتى في حال ضعف، فيراعي ضعفه ويخفف عنه بقدره، ولهذا يخفف عن المريض ما لا يخفف عن الصحيح.


والمسلم في المجتمع غير المسلم أضعف من المسلم داخل المجتمع المسلم، ولهذا كان يحتاج إلى التخفيف والتيسير أكثر من غيره.


ومن ذلك ما روي أن عمر بن العزيز كان يقضي –وهو أمير في المدينة- بشاهد واحد ويمين، فلما كان بالشام، لم يقبل إلا شاهدين –لما رأى من تغير الناس هناك عما عرفه من أهل المدينة.


ومن ذلك ما ذكر: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده –عهد أتباع التابعين- اكتفاء بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه –أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك لانتشار الكذب بين الناس( 23).


ويقول علماء الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان.


5- القواعد التي يمكن توظيفها في فقه الأقليات


إن قواعد الفقه تعتبر رافداً ثراً من روافد الفقه الإسلامي، ومصدراً أساسياً من مصادره، ومنبعاً لأسرار الشرع وحكمه، بها تنضبط الأحكام وبها تناط، وبممارستها تصل أهلية التخرج، والاستنباط.


وهي كثيرة ومرنة، ويمكن توظيف كثير منها في فقه الأقليات المسلمة، وإن كانت تتفاوت في ذلك ظهورًا وخفاء.


وبما أن المقام لا يتسع لتتبع تلك القواعد، فإننا نذكر هنا بعض القواعد التي يمكن توظيفها توظيفًا مباشراً فيما تعاني منه هذه الأقليات مثل:


1- الضرر يزال( 24)


وهي إحدى القواعد الأساسية الخمس التي عليها مدار الفقه، بل فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفه، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها( 25).


2- الضرورات تبيح المحظورات:


وهي قاعدة مشهورة مرتبطة بسابقتها، وهي التي ينبني عليها جواز أكل الميتة للمضطر، وإساغة الغصه بالخمر، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه.


فهي تعتبر من الأصول المحكمة الأصيلة في بناء الفقه الإسلامي، وهي دليل على مرونة الفقه، ومدى صلاحيته واتساعه لحاجات الناس.


3- درء المفاسد مقدم على جلب المنافع:


فيمنع الجار من التصرف بملكه الذي يؤدي إلى ضرر بغيره.


4- إذا تقابل مكروهان أو محظوران أو ضرران ولم يمكن الخروج عنهما وجب ارتكاب أخفهما (إذا تعارضت مفسدتان، روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما):


ويشهد لذلك ما وقع في صلح الحديبية، قال القرافي: "قال بعض العلماء: إنما التزم رسول الله  في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين دفاعاً لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الحالين بمكة، فاقتضت المصلحة أن ينعقد الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إليه، لأنه أهون من قتل المؤمنين، مع أن الله تعالى علم أن في تأخير القتال مصلحة عظيمة، وهي إسلام جماعة منهم، لذلك قال تعالى: لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ( 26)، وقال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( 27)، أي لو تميز الكافرون من المؤمنين( 28).


وقال أيضاً في مناقشته لأخذ الجزية من الكفار: "عادة الشرع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناهما، وتفويت المصلحة الدنيا لتوقع المصلحة العليا، ومفسدة الكفر توفى على مصلحة المأخوذ من أموال الكفار، بل على جملة الدنيا، فِلَم أقرهم الشرع على الكفر بهذا النذر اليسير.....؟


وجوابه: أن هذا من باب التزام المفسدة الدنيا لتوقع المصلحة العليا، وذلك لأن الكافر إذا قتل انسد عنه باب الإيمان، فشرعت الجزية رجاء أن يسلم هو


أو أحد من ذريته"( 29).


فهذه القاعدة ميزان دقيق لارتكاب أخف الضررين عند وقوع مفسدتين يراد دفع إحداهما بالأخرى.


5- المشقة تجلب التيسير:


وهي قاعدة مشهورة من القواعد التي عليها مدار الفقه، وقد أصلها السيوطي بقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج( 30)، وهذه القاعدة قال العلماء: "إنها يتخرج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته"( 31).


حيث تدور عليها جميع الأحكام الشرعية عند حصول المشقة الشديدة وقيام الضرورة الملحة، فهي قاعدة أصولية فقهية مقطوع بصحتها، لتوفر أدلتها من الكتاب والسنة.


وفي القاعدة تفسير للأحكام التي روعي فيها التيسير والمرونة، وأن الشريعة لم تكلف الناس بما لا يستطيعون، أو بما يوقعهم في الحرج، وأن المراعاة والتيسير والتخفيف مرادة ومطلوبة من الشارع الحكيم.


6- ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها( 32) [الضرورات تقدر بقدرها]:


ومن فروعها: أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، وأن الطعام في دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة، لأنه إنما أبيح للضرورة.


وهي قاعدة مهمة، لأنها تضع حداً وتقرر معياراً للتعامل مع الضرورة، كي لا نسرف في اعتبارها فنتجاوز الحد، وهذا موضع تزل فيه الأقدام كثيراً، فهي قيد لقاعدة، (الضرورات تبيح المحظورات).






7- الضرر لا يزال بالضرر( 33) [الضرر لا يزال بمثله]:


أي أن الضرر لا يزال بمثله، ولا بما هو أعظم منه من باب أولى، ولكن يجوز دفع الضرر بما هو أقل منه.


* وكذلك قولهم "يحتمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام"، لأن الجميع يشكلون قانوناً للتعامل مع الضرورات كيف نزيلها، وبم نزيلها، وطريقة الموازنة عند التعارض.


وهذه كلها أمور في غاية الأهمية، إذ لا يمكن أن نجعل اعتبار الضرورات أمراً عائماً لا حدود له ولا ضوابط، ومن ثم يتذرع به كل إنسان إلى ما يريد، فلابد أن تتحقق الضرورة، وبعد ذلك تقدر بقدرها، ولابد من الموازنة بين الضرورات إذا تعارضت، فإذا كان المحتكر يتضرر بجبره على بيع طعامه بالسعر، فإن العامة تتضرر بالاحتكار، فلابد من الموازنة بين الضررين، ولا شك أن ضرر العامة أشد من ضرر شخص واحد، وكذلك بالنسبة للتسعير وغير ذلك مما يتعارض فيه الضرر العام والضرر الخاص.


8- الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة( 34):


وانطلاقًا من هذه القاعدة ُجوزت الإجازة على خلاف القياس، وُجوز السلم كذلك لأنه بيع المعدوم، وجوز دخول الحمام مع جهالة مكثه فيه، وما يستعمل من الماء.


وقال إمام الحرمين: "إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط الميتة لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد، فافهموا ترشدوا"( 35).


9- إذا ضاق الأمر اتسع:


وهذه العبارة أجاب عنها الشافعي في ثلاثة مواضع:


أ- سئل إذا فقدت المرأة وليها في السفر فولت أمرها رجلاً أيجوز؟


فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.


ب- سئل عن الذباب يجلس على الغائط ثم يقع على الثوب؟ فقال: إن كان طيرانه ما يجف فيه رجلاه، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع.


ج- سئل عن أواني الخزف المعمولة بالسرجين أيجوز الوضوء منها؟


فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.


ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر، ثم قال: ولهم عكس هذه القاعدة


(إذا اتسع الأمر ضاق)( 36). قال ابن أبي هريرة في تعليقه: "وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت، وجمع الغزالي بين القاعدتين بقوله: كل ما تجاوز حده انقلب على ضده( 37).


ولا يخفى ما لهذه القواعد من وثيق الصلة بمقصد السماحة واليسر، كما لا يخفي إمكان توظيفها واستثمارها في التخفيف من أنواع الحرج التي تدخل على هذه الأقليات في معاملاتها وجميع أحوالها، إن وجد العالم العارف بأحوال هذه الأقليات، القادر على استثمار هذه القواعد، المتمكن من تحديد الضرورات المعتبرة شرعًا والموازنة بينها إذا تعارضت.


6- بعض قضايا الأقليات المسلمة


هناك مجموعة من قضايا الأقليات المسلمة أصبحت تقلق مضجعهم وخاصة مع اليقظة الإسلامية الحديثة، والاهتمام بالمعايير الشرعية وقياس حياة الناس عليها، ونظراً لأن المقام لا يتسع لكل هذه القضايا أو معظمها، فإن الباحث سيختار منها – بناء على أهميتها – على سبيل المثال لا الحصر.


أولاً: المواطنة في الدول غير الإسلامية، ومدى ارتباطها بالولاء لنظام غير إسلامي.


ومفهوم المواطنة:جمع موطن، وهي مأخوذة من الوطن، ولها أصل في القرآن الكريم، بقوله تعالى:لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ( 38) وقد وردت كلمة الدار أو الديار بمعنى الوطن في القرآن ثماني عشرة مرة، منها قوله تعالى: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ( 39)، وقوله: "فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وكَانَ وعْدًا مَّفْعُولاً( 40)، وقوله: وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ وأَرْضًا لَّمْ تَطَئُووهَا ( 41).


وثمة تلازم بين الإسلام كدين ونظام حياة وبين الوطن. وفي السنة جاءت أحاديث تفيد أن الوطن هو موضع الإقامة والمكان الذي ينتمي إليه الإنسان بالمفهوم السياسي. منها ما رواه البخاري عن زيد بن ثابت أن أبا بكر قال له: "إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالقراء في كثير من المواطن"( 42)فهي مكان الإقامة بالنسبة للمقاتلين، وعن عثمان رضي الله عنه أنه صلى بمنى أربعاً، ولم يصل قصراً، لأنها صارت له وطناً ومقاماً.


وقد ذهب فريق من العلماء إلى جواز المواطنة من المسلم في دولة غير إسلامية، متى كان مستمسكاً بدينه، ممكناً من العمل بشعائره، متمتعاً بالحقوق والواجبات. ويؤكد هذا قول الماوردي: "إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة، لما يترجي من دخول غيره في الإسلام"( 43). وكأنى بالماوردي ينظر هنا إلى مستقبل الإسلام خارج أرضه، وبيان أهمية نشره في هذه البلاد، وبذلك يكون البقاء في هذه الديار من الأمور المستحبة – إن لم يكن من الأمور الواجبة – لأن فيه مصلحة، وهذه المصلحة من مقصود الشرع من الخلق وأولاها وهي "حفظ الدين" و ذلك بتبليغه للخلق.


يقول الشوكاني: "..... وإن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة، كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو في تعليمه معالم الخير، بحيث يكون ذلك راحجاً على هجرته وفراره بدينه، فإنه يجب عليه ترك الهجرة، رعاية لهذه المصلحة الراجحة، لأن هذه المصلحة الحاصلة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة" ( 44). والقاعدة الشرعية تقول: "تقديم المصلحة مقدم على جلب المفسدة، والمصلحة الراجحة مقدمة على المصلحة المرجوحة".


ويقول الشيخ المراغي: "المقيم في دار الكفر لا يمنع ولا يؤذي إذا طبق شعائر دينه، فلا يجب عليه الهجرة، كما هو شاهد من المسلمين المقيمين في بلاد الإنجليز الآن، إلا أن الإقامة فيها ربما كانت سبباً من أسباب محاسن الإسلام، وإقبال الناس عليه"(45 ).


ويقول الشيخ جاد الحق: "إذا أمن المسلم على دينه ومارس شعائر الإسلام في بلد ليس له دين أصلاً أو له دين غير الإسلام تصح إقامته"(46 ).


ومعتمد هذا الرأي، الأدلة الواردة في القرآن والسنة التي تجعل من الأرض التي يجد فيها المسلم ملاذاً له تحميه من العسف والظلم والاضطهاد، ويطيب له المقام فيها، فعليه أن يرحل إليها منها: قوله تعالى: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وسَاءَتْ مَصِيرًا( 47)، وقوله، يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ( 48).


وقد صح أن المسلمين الأوائل هاجروا من مكة إلى الحبشة، فراراً بدينهم، وأقاموا بها بأمر من رسول الله ، ولم تكن الحبشة دار إسلام ولم يكن أهلها يدينون بالإسلام.


ووفقاً للرأي القائل بتقسيم العالم والديار والأمم، فإن الإسلام يقسم الأمم إلى أمة إجابة وأمة دعوة، والمسلم – بموجب أنه من أمة الدعوة – مطالب أن يتواجد في بلد الإقليم الذي يدعو إليه، ليعلن عن الإسلام، ويبين رسالته في العالمين.


إن المواطنة تعطي شرعية للوجود الإسلامي، وتعترف بالدين الإسلامي داخل الدولة غير الإسلامية، وتضفي عليه حماية دستورية وقانونية تحمي حقوقه وتصون أمانه وأمنه في الدول غير الإسلامية.


والولاء: إنما يكون للإسلام ولهويته وللثوابت القطعية فيه بحسبانها تشكل أصول الإسلام، ومقومات رسالته للإنسانية.


والولاء الممنوع شرعاً: هو موالاة أعداء الله، على حساب الإسلام والانصراف عن أتباعه واتخاذ غير المسلمين نصيراً وعضداً.


وقد قرر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ما نصه: "إن الولاء رباط وثيق، يربط الإنسان بعلاقة خاصة ووشيجة حميمة تنشأ عنه التزامات وحقوق وواجبات، وهذه العلاقة ذات أوجه مختلفة وأبعاد متعددة، فالولاء قد يكون للعقيدة، وقد يكون للنسب والقوم، وقد يكون بالعهد والعقد، وقد أشار القرآن إلى هذه المعاني جميعاً. وأعلى هذه الولاءات منزلة الولاء للعقيدة الذي يدخل فيه الإيمان بأركانه، وما يترتب على ذلك من ممارسة الشعائر، والالتزام بالأخلاق الفاضلة، وهذا الولاء لا يتناقض مع الولاء للوطن الذي يرتبط معه الإنسان بعقد المواطنة، فيدافع عن حوزته ضد أي اعتداء"( 49).


كما أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء قراراً بشأن المواءمة بين التقيد بالثوابت وبين مقتضيات المواطنة: "يقصد بالمواطنة الانتماء إلى دولة معينة أرضاً وواقعاً، وحمل جنسيتها، ويقصد بالثوابت الإسلامية: الأحكام الشرعية الاعتقادية والعملية والأخلاقية التي جاءت بها النصوص الشرعية القطعية


أو أجمعت عليها الأمة الإسلامية، ويشمل ذلك ما يتعلق بالضروريات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.


ومشروعية إسهام المسلمين في غير الدول الإسلامية، من الأنشطة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، التي لا تتعارض مع الثوابت المتقدمة، ولاسيما إذا اقتضت المواطنة ذلك شريطة ألا تهدد هويتهم وشخصيتهم الإسلامية"( 50).


ثانياً: المشاركة في النظام السياسي غير الإسلامي، سواء بالترشيح أو التصويت:


ونقصد بالمشاركة في الحياة أو النظام السياسي: تلك الأنشطة التي يمارسها الأفراد والأحزاب، كالتصويت والسلوك الانتخابي، والمشاركة في الإدارات والمناورات السياسية، وبحث المشكلات المطروحة أمام رجال السياسة وآليات تنفيذ ذلك.


ومن الأدلة النصية على جواز ذلك، قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: " قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ولا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ"(51 ).


قال الألوسي عند تفسير " اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ" فيها دليل على جواز طلب الولاية، إذ ا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الكافر أو الجائر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقفت على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعينا لذلك( 52).


وقد شارك يوسف عليه السلام فعلا في الحكم في مجتمع مشرك، لا يقوم الحكم فيه على قواعد الإسلام، ويقول المودودي: "ومما يستدل منه على أن اشتراك المسلمين وحتى الأنبياء عليهم السلام في نظام حكومة غير إسلامية، أمر جائز مشروع، وليس ذلك فحسب، بل هو فرض كفاية في بعض الحالات، لأن طلب يوسف من فرعون مصر أن يكون على خزائن مصر برغبته، دليل على أن هذا السلوك لم يكن جائزاً مشروعاً فحسب، بل كان يعده واجباً عليه، وإلا لما طلبه من فرعون، ودعم طلبه بقوله عن نفسه "إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"( 53).


ولا يقال: بأن الآية تتكلم عن شرع من قبلنا، أما في شرعنا فالأمر مختلف، فلا يجوز تولى ولاية في ظل حاكم كافر أو مسلم جائر، لأن هذا مردود من جهة، أن شرعنا وشرع يوسف عليه السلام وجميع شراع الأنبياء متفقة على حاكمية الله تبارك وتعالى، وأنه ليس لأحد الحق أن يحكم بغير شرع الله، فحين تولى الوزارة لم يناقض هذه العقيدة شيء، ولم يكن مخطئا حين عمل بالوزارة، لأنه نبي معصوم( 54).


والخلاصة أن الدليل من القرآن قد قام على جواز تولي الرجل المسلم ولاية من الرجل الجائر أو السلطان الكافر، وقد سلم الدليل عن المعارض.


أما الدليل من السنة فيتمثل في موقف النجاشي الذي ظل حاكماً على نظام يحكم بغير شريعة الله بعد ذلك، ومع ذلك اعتبره النبي  رجلاً صالحاً، وصلى عليه بعد موته، ولم يخطئه في فعله، ومما يشهد بإسلامه: حديث البخاري الذي فيه أنه عليه السلام حين بلغه وفاة النجاشي قال: "مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة"( 55). وقد وصفه ابن حجر بأنه "كان رداء للمسلمين نافعاً"( 56).


وقد ساق الدكتور عمر الأشقر مجموعة من الأدلة على أن النجاشي لم يحكم في قومه بشريعة الإسلام منها" قوله في رسالته إلى النبي  "فإني لا أملك إلا نفسي"، ومنها: أن قومه قد خرجوا عليه يريدون خلعه، فنصره الله على خصمه، وكانت حجته على قومه أنه لم يغير، ولم يبدل مما عرفوه عنه، مع أنه اعتقد بالإسلام باطناً، وبعث يعلم  بمعتقده"( 57).


وقال ابن تيمية:"والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيراً ما كان يعين الرجل من المسلمين ...... وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، ولا يمكنه ذلك، بل هناك ما يمنعه عن ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا بشرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالشرائع التي يمكنهم الحكم بها"( 58).


إن من يشارك في وزارة أو إدارة سياسية من الدعاة المخلصين وهو يقصد العدل والحق وتطبيق ما يمكن تطبيقه من أحكام الشريعة، ولو كانت مشتملة على ظلم ومخالطة حتى تولاها شخص قصده بذلك تحقيق الظلم فيها،وحماية مصالح المسلمين فإنه بذلك لا يعد وليًّا للظالمين، وإنما هو ولي المؤمنين، يحبهم وينصرهم إما بإيصال الحقوق إليهم أو بإنصافهم، أو بدفع الظلم عنهم، "فالولاء معناه النصرة والمحبة والاحترام، والركون إلى جانب المحبوبين من المؤمنين ظاهراً وباطناً"( 59).


ولا تكون المشاركة في الوزارة ركوناً إلى الظالمين، "لأن حقيقة الركون: السكون إليهم والرضا بحكمهم والميل إليهم"( 60)، وليس هذا من باب المداهنة، والمداراة على حساب دينه.


وفي هذا الإطار يفهم قول العز بن عبد السلام: "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك جلباً للمصالح العامة، ودفعاً للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده، تعطيل المصالح العامة، وتحمل المفاسد الشاملة لفوات الكمال في من يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها"( 61).


كما أن الشيخ محمد عبده في جوابه على سؤال مضمونه "هل يجوز للمسلم المستخدم عند الإنجليز الحكم بالقوانين الإنجليزية وفيها الحكم بغير ما أنزل الله" فأجاب بالجواز وقال: "وعلى من أقام أن يخدم المسلمين قدر طاقته ويقوي أحكام الإسلام بحسب استطاعته، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الإسلام وحفظ مصلحة المسلمين مثل تقلد أعمال الحكومة.......والظاهر أن ترك أمثاله من أهل الخبرة للقضاء وغيره من أعمال الحكومة تأثماً من العمل بقوانينها، يضيع على المسلمين معظم مصالحهم في دينهم ودنياهم، وما نكب المسلمون في الهند ونحوها، وتأخروا إلا بسبب الحرمان من أعمال الخدمة"( 62).


وعليه فإذا كانت المشاركة محققة لمقصود الشارع بحفظ دين المسلمين، بحسب ما يغلب على الظن، أو بحفظ حقوقهم وحرياتهم، ووجد القادر على القيام بأعبائها وهو القوي الأمين، فإنها تكون واجبة كفاية أو عيناً أو مندوبة، وينبغي دعمه ومساعدته، أما إذا كان وسيلة غير فعالة في تحقيق ذلك، بحسب ما يغلب على الظن، أو بحكم الاعتياد والتجربة، أو كانت مفاسدها أكبر على المسلمين، فإن المشاركة ممنوعة شرعاً.


ثالثاً: شراء المسلم في الدولة الأجنبية لبيوت أو مساكن بفوائد بنكية.


تعرض للمسلم في وجوده بالدولة الأجنبية مسألة البحث عن مسكن أو بيت يقطن فيه أو يتخذه محلاً للإقامة، وهنا يواجه نظام تملك العقارات في الدول الغربية، حيث يتم هذا التملك عن طريق شراء البيوت بالقرض الربوي، مما يتطلب التعرف على حكم هذا النوع من التعامل.


وتتنازع مسألة شراء المسلم لمسكن في دولة غير مسلمة وجهتا نظر متقابلتان:


إحداهما: تذهب إلى أن هذا التعامل من قبيل المعاملات الربوية الحرام، مستدلاً بعمومات النصوص المحرمة للربا في مثل قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾( 63) وهو ربا النسيئة المتضمن للبيع الذي تمارسه البنوك بزيادة نظير الأجل، وهو منهى عنه.


وقول رسول الله  "لا ربا في النسيئة"، وهذا الربا الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة لما قال: "ألا إن كل ربا موضوع، وإن أول ربا أضعه ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله" ( 64).


إن من الفقهاء من يرى إدراج مثل هذه الصورة ضمن ربا الجاهلية المحرم، وأنه يعد من أصول الربا وتحريم التعامل فيه من باب المقاصد، يقول ابن رشد في باب (بيوع الذرائع الربوية): "والصورة التي يعتبرها مالك في الذرائع في هذه البيوع، هي أن يتذرع منها إلى: أنظرني أزدك، أو إلى بيع مالا يجوز متفاضلاً، وبيع ما لا يجوز نساء، أو إلى سلف، أو إلى ذهب وعرض بذهب، أو إلى ضع وتعجل أو إلى بيع الطعام قبل أن يستوفي، أو بيع وصرف، فإن هذه هي أصول الربا"( 65).. ودلالة ذلك على حرمة شراء المسلم لمسكن بفوائد بنكية، جليّ يستمد سنده من نصوص القرآن والسنة وأقوال الفقهاء.


إزاء ذلك فإن الأمر يستدعي عدم انتهاج هذه الوسيلة في شراء البيوت، والبحث عن استخدام بدائل أخرى ترتكز على سند شرعي أو وجه فقهي يقدم حلاً سائغاً مقبولاً من الناحية الشرعية. ( 66)


ثانيهما: ترى أن شراء المسلم لبيت في دولة غير مسلمة بنظام القرض الربوي جائز شرعاً، كون هذا التعامل، لا ينطبق عليه الربا المحرم قطعاً، على سند من الأدلة الآتية:


1- أن هذه الصورة من التعامل معاملة حديثة لا يصدق عليها وصف ربا الجاهلية أو ربا النسيئة المحرم قصداً؛ إذ أن هذا الربا هو ربا الديون الذي يتاقضى فيه الدائن الفائدة على الفائدة، وهو ربا الأضعاف المضاعفة بحسب وصف القرآن، فهو الربا المركب الذي منشؤه الاستغلال والظلم وخراب البيوت، فإن ربا الجاهلية أو النسيئة الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية كان يحصل بأن يؤخر المقرض الدين ويزيد في المال، وكلما أخره زاده في المال (الفائدة) حتى تصير عنده المائة آلافا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدى من أسر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين، حتى يستغرق جميع موجوده فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع منه يحصل لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر( 67).


2- أن المسلم في تعامله مع البنك، إنما يتعامل في أمر ضروري من ضروريات حياته، فهو لا يستغني عن مسكن يأويه، ويستظل به من قيظ الصيف وبرودة الشتاء، وشأنه مع المسكن شأن حاجته إلى الطعام والشراب والملبس، ومن ثم فإن الحصول على المسكن لازم لحماية نفسه وأهله،ومحقق لمنفعة قطعية لديه، وإذا كان ثمة شبه ربا في هذا التعامل، فإن المصلحة في تحصيله راجحة، وعلى حد تعبير ابن تيمية، فإن: الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيلها أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع( 68).


3- أجاز الفقه الحنفي التعامل في الربا بين المسلم وغير المسلم في دار الحرب، في غير دار السلام، ودليله ما رواه مكحول عن رسول الله  قال: [لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب]، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فمكحول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول، وهو كما يقول السرخسي دليل لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.. وقال محمد: "وبلغنا أن أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: الّـم * غُلِبَتِ الرُّومُ ( 69). قال له مشركو قريش إنهم يرون أن الروم ستغلب فارس، فقال: نعم، فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطراً، فإن غلبت الروم أخذت خطرنا، وإن غلبت فارس أخذنا خطرك، فخطرهم أبو بكر – رضي الله عنه – على ذلك، ثم أتى النبي  وأخبره فقال: "اذهب إليهم فزد في الخطر وأبعد في الأجل"، ففعل أبو بكر – رضي الله عنه – وظهرت الروم على فارس، فبعثوا إلى أبي بكر أن تعال فخذ خطرك، فذهب وأخذه، فأتى النبي  فأمره بأكله، وهذا القمار لا يحل بين أهل الإسلام، وقد أجازه رسول الله  بين أبي بكر- وهو مسلم – وبين مشركي قريش؛ لأنه كان بمكه في دار الشرك حيث لا يجري أحكام المسلمين( 70).


4- أنه على القول بتحريم شراء البيوت بقرض ربوي حرمة قطعية فإن إجازة التعامل فيه تكون بناء على حال الضرورة؛ تطبيقاً لقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، المبنية على قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 71). وهذه الضرورة هي التي ترخص أكل الميتة والتلفظ بالكفر عند الإكراه الملجئ والقلب مطمئن بالإيمان؛ تطبيقاً لقاعدة "ما كان محرماً لذاته يباح للضرورة، وما كان محرماً لغيره يباح للحاجة"( 72). ولا شك أن تحصيل منزل للسكنى من قبيل الضروريات والاحتياجات الأساسية للمسلم، فيكون التعامل فيه جائزاً.


وقد نهجت المجامع الفقهيه – في بيان الحكم الشرعي على القرض بفائدة – إلى اتجاهين:


الاتجاه الأول: يتجه إلى التعميم في الحكم، والاعتصام بالرأي القائل بتحريم كل صور الزيادة على أصل القرض، واعتباره من القرض الربوي الذي يقع تحت طائلة عموم النصوص المحرمة للربا، وأطلقت القول في ذلك دون بحث ظروف الواقعة وطبيعة المسألة التي من أجلها كان القرض، ونموذج ذلك الفتوى التي أصدرها بالإجماع علماء المسلمين المشتركين في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية عام 1965م، وجاء نصها: الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام، والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا حرام كذلك، ولا يرفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقرير ضرورته( 73).


كما أفتى مجمع الفقه الإسلامي – المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي: بأن كل زيادة (أو فائدة) على الدين الذي حل أجله، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً(74 ).


الاتجاه الثاني: ذهب إليه المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ونحا فيه إلى بحث واقع الجاليات الإسلامية في الغرب، والنظر في ظروف المسلمين وهم أقلية في هذه المجتمعات والاعتبارات التي تلجئهم إلى شراء بيوت للسكن بقروض مصرفية بفائدة.


ومما جاء في الفتوى: أن المجلس – في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية – لا يرى بأساً من اللجوء إلى هذه الوسيلة وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة.


وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:


المرتكز الأول: قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات": وهي قاعدة متفق عليها مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع: منها قوله تعالى: وقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ( 75). ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 76).


ومما قرره الفقهاء من أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصة كانت أو عامة... والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلم في حرج، وإن كان يستطيع أن يعيش، بخلاف الضرورة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها، والله تعالى رفع الحرج عن هذه الأمة بنصوص القرآن، كما في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ( 77). وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ( 78) والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه، وفي سعته وفي مرافقه بحيث يكون ساكناً حقاً7

وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، وهي أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها، والمسكن – ولاشك – ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، كما أنه يمكنه أن يختار المسكن قريباً من المسجد والمركز الإسلامي والمدرسة الإسلامية ويهيئ فرصة للمجموعة المسلمة أن تتقارب في مساكنها عسى أن تنشيء لها مجتمعاً إسلامياً صغيراً داخل المجتمع الكبير، فيتعارف فيه أبناؤهم وتقوى روابطهم ويتعاونون على العيش في ظل مفاهيم الإسلام وقيمة العليا.


كما أن هذا يمكن المسلم من إعداد بيته وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والاجتماعية ما دام مملوكا له.


وهناك – إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكل مسلم – الحاجة العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلية خارج دار الإسلام، وهي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس، ويقدموا صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين؛ كما تتمثل في أن يتحرروا من الضغوط الاقتصادية عليهم ليقوموا بواجب الدعوة ويساهموا في بناء المجتمع العام، وهذا يتقاضى ألا يظل المسلم يكد طول عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات عيشه، ولا يجد فرصة لخدمة مجتمعه أو نشر دعوته.


المرتكز الثاني: وهو مكمل للمرتكز الأول وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني – وهو المفتى به في المذهب الحنفي – وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي وهي رواية عن أحمد بن حنبل ورجحها ابن تيمية – فيما ذكره بعض الحنابلة – من جواز التعامل بالربا – وغيره من العقود الفاسدة – بين المسلمين وغيرهم من غير دار الإسلام( 78).


ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا إلى عدة اعتبارات منها:


1- أن المسلم غير مكلف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.


وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فرداً، مثل: أحكام العبادات وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية، بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلاً.


2- أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا – في دار القوم سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سبباً لضعفه الاقتصادي وخسارته مالياً. والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره.


وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم في غير المسلم بحديث أبي داود، أن معاذاً قال: سمعت رسول الله  يقول: [الإسلام يزيد ولا ينقص فورث المسلم] أي يزيد المسلم و لا ينقصه، ومثله: [الإسلام يعلو ولا يعلي]، وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها فيما بينهم سيضطر إلى أن يعطي ما يطلب منه ولا يأخذ مقابله، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم، فعليه الغرم دائما وليس له الغنم، و بهذا يظل المسلم أبداً مظلوماً مالياً بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبداً إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به، وأن يتركه في غير دار الإسلام لغير المسلم يمتصه ويستفيد منه، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة والمعترف بها عندهم.


وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حاله الأخذ لا الإعطاء؛ لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء، وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين:


الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم.


الثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم.


فالجواب أن هذا غير مسلم، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في: "السير الكبير"، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب؛ كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد؛ إذ به يمتلك المنزل في النهاية.


وقد أكد المسلمون – الذين يعيشون في الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة – أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك؛ بل أحياناً تكون أقل.


ومعنى هذا أننا إذا حرمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك، حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين سنة أو أكثر يدفع إيجاراً شهرياً أو سنوياً ولا يملك شيئاً، على حين كان يمكنه – في خلال عشرين سنة وربما أقل – أن يملك البيت. فلو لم يكن هذا التعامل جائزاً – على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه – لكان جائزاً عند الجميع للحاجة التي تنزل أحياناً منزلة الضرورة في إباحة المحظور بها.


ولاسيما أن المسلم هنا إنما يؤكل الربا ولا يأكله، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها، والأصل في التحريم منصب على أكل الربا، كما نطقت به آيات القرآن، وإنما حرم الإيكال سداً للذريعة؛ كما حرمت الكتابة له، والشهادة عليه فهو من باب تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد.


ومن المعلوم أن أكل الربا المحرم لا يجوز بحال، أما إيكاله بمعنى إعطاء الفائدة فيجوز للحاجة، وقد نص على ذلك الفقهاء وأجازوا الاستقراض بالربا إذا سدت في وجهه أبواب الحلال.


ومن القواعد الشهيرة هناك: "أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة".


وبالبناء على ما تقدم:


فإن على المسلم أن يتحرى السبل الشرعية الحلال لشراء البيوت في الدول الغربية، من البيع مرابحة أو القرض الحسن أو المشاركة بالطريق الشرعي، فإذا سدت في وجهه هذه السبل فيجوز له شراء بيت يتملكه له ولأسرته بقرض بفائدة؛ درءاً للمفسدة؛ وجلباً للمصلحة في مجتمع غير إسلامي( 79).


نتائـــج البحـــث


وقد توصل الباحث – بعون الله – إلى النتائج التالية:


أولاً: إن وجود المسلمين في أي بلد يجب التخطيط له باعتباره وجوداً مستمراً ومتنامياً، لا باعتباره وجوداً طارئاً أو إقامة مؤقتة أملتها الظروف السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي. ولا حجة في رجوع المهاجرين من الحبشة، لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الدعوة وبناء المجتمع الجديد، ثم سقط ذلك الوجوب بالفتح، كما قال : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"(80 ). كما أن رجوعهم كان مواصلة لهجرة جديدة لأن مكة هي موطنهم.


ثانياً: ينبغي لأبناء الأقليات المسلمة أن لا يقيدوا أنفسهم باصطلاحات فقهية تاريخية لم ترد في الوحي مثل: دار الإسلام، ودار الكفر. وعليهم أن ينطلقوا من المنظور القرآني: " إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "( 81)، وقوله: " ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"( 82).


ثالثا: من واجب المسلمين أن يشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية بإيجابية، انتصارًا لحقوقهم، ودعماً لإخوانهم في العقيدة أينما كانوا، وتبليغاً لحقائق الإسلام، وتحقيقاً لعالميته.


رابعاً: كل منصب أو ولاية حصل عليها المسلمون بأنفسهم، أو أمكنهم التأثير على من فيها من غيرهم، تعتبر مكسباً لهم من حيث تحسين أحوالهم، وتعديل النظم والقوانين التي تمس صميم وجودهم، بل والتي لا تنسجم مع فلسفة الإسلام الأخلاقية، ومن حيث التأثير على القرارات السياسية ذات الصلة بالشعوب الإسلامية الأخرى.


خامساً: كل ما يعرض على تحقيق هذه الغايات النبيلة من الوسائل الشرعية فهو يأخذ حكمها، ويشمل ذلك تقدم المسلم لبعض المناصب السياسية، وتبنى أحد المترشحين غير المسلمين – إذا كان أكثر نفعاً للمسلمين، أو أقل ضرراً عليهم، فقد أباح الله تعالى برهم وصلتهم دون مقابل، فكيف إذا ترتب على ذلك مردود واضح، ومصلحة متحققة.


سادساً: إن انتزاع المسلمين لحقوقهم في بلد يمثلون أقلية فيه، وتفاعلهم الإيجابي مع أهل البلد الأصليين، يقتضي منهم تشاوراً وتكاتفاً واتفاقاً في الكليات، وتعاذراً في الجزئيات والخلافيات. ولنا في سلفنا من المهاجرين إلى الحبشة أسوة حين اجتمعوا وتشاوروا حول أمثل الصيغ للرد على الموقف الحرج.


سابعاً: يحتاج أبناء الأقليات المسلمة إلى ترسيخ الإيمان بالله، وتدعيم الثقة في الإسلام، حتى لا يدفعهم التفاعل مع غيرهم إلى تنازلات تمس أساس الدين، مجاراة لعرف سائد، أو تيار جارف – وفي رفض الصحابي الجليل جعفر رضي الله عنه السجود للنجاشي – كما فعل خصماه وكما يقضى العرف – أسوة في هذا السبيل.


ثامناً: فقه الأقليات المسلمة: هو فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعي بظروف الجماعة، وبالمكان الذي تعيش فيه، وهذا يتطلب – بعد فقه النص – النظر إلى الواقع البشري وتقويمه، من خلال النظر للنص وكيفيات تنزليه في ضوء هذا الواقع البشري.


********
تفقير البحث




([1]) إن ما يقرب من ثلث المسلمين اليوم يعيشون خارج دائرة العالم الإسلامي الجغرافية (450 مليون مسلم من مجموع ما يقرب من مليار و 350
).


(2) راجع: فقه الأقليات المسلمة – يوسف القرضاوي- دار الشروق- ط (1) 1422هـ/2001م-ص34.

(3) المصدر السابق- ص 35 بتصرف

(4) مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها- لعلال الفاسي- ص7.

(5) الأحزاب (45).

(6) النحل (125).

(7) صحيح البخاري: كتاب الإيمان- باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وكتاب الصلاة-

باب فضل استقبال القبلة. وصحيح مسلم: كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس.

(8) مسند الإمام أحمد 4/103.

(9) أخرجه أحمد في مسنده 4/204.

(10) أخرجه ابن حبان في صحيحه 9/463-466، رقم (4156، 4158).

(11) أخرجه أحمد في سنده 4/204.

(12)انظر معالم هذا الاجتهاد: في كتابي الدكتور يوسف القرضاوي، الأول بعنوان (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية)، والثاني بعنوان (الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط).

(13) سيأتي الحديث عنها في ص5.

(14) أعلام الموقعين ج1، ص 87.

(15) المصدر السابق، ج1 ص 88. وانظر تفصيل ذلك أيضاً عند الإمام القرافي في كتاب "الفروق"، وقرره الإمام ابن عابدين في حاشية: رد المحتار على الدر المختار.

( 16) صحيح البخاري: كتاب العلم- باب ما كان النبي  يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا.

(17) المائدة (6).

(18) البقرة (185).

(19) النساء (28).

(20) أخرجه النسائي: في كتاب الحج- باب التقاط الحصى (5/268) وإسناده صحيح.

(21) ولعل من أبرز مثال لذلك: آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق ونحوه، فقد رفضها أكثر أهل عصره واتهموه من أجلها بتهم شتى، وحاكمه علماء وقته، ودخل السجن أكثر من مرة من أجل آراءه هذه، والآن نرى كثير من علماء العصر يفتون بها، إذ يرون فيها إنقاذ الأسرة المسلمة من الانهيار بسبب كثرة إيقاع الطلاق، مع حرص الزوجين على بقاء العشرة.

( 22) انظر: أصول التشريع الإسلامي- على حسب الله، ص 84.

(23) نظر: الاشتباه والنظائر – للسيوطي 1/61.

24)( راجع: شرح الكوكب المنير- لابن النجار- ج 4، ص443.

(25) الفتح (25).

(26) الفتح (25).

(27) الزخيره 13/355.

(28) المصدر السابق 3/453.

(29) الحج (78).

(30) الأشباه والنظائر- للسيوطي 1/194، ولابن نجيم ص 84.

(31) ذكرها ابن نجيم في الأشباه والنظائر، ص 95.

(32) الأشباه والنظائر – لابن نجيم- ص 96.

(33) ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر 1/218، وابن نجم ص 100، والمراد بالحاجة هنا: ما كان دون الضرورة، لأن مراتب ما يحرص الشرع على توفيره للإنسان ثلاث: الضرورات والحاجيات والتحسينيات.

(34) الغياثي –للجويني- ص 478.

(35) الأشباه والنظائر- للسيوطي ج1، ص 208.

(36) الأشباه والنظائر- لابن نجيم، ص 93.

(37) التوبة (25)

(38) الحشر (9)

(39) الإسراء (5)

(40) الأحزاب (27)

(41) صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن- باب قوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ح (4679)

(42) وينسب هذا الرأي أيضاً في العصر الحديث للإمام محمد عبده، حيث قال بعدم وجوب الهجرة على المسلمين المقيمين في البلاد الأوروبية، لأنهم متحققون من حريتهم الدينية. انظر" تفسير المنار – ج5 ص 291. ومن أنصار هذا الرأي قديما، الماوردي والشوكاني، وحديثا، في الإمام محمد عبده، والشيخ المراغي والشيخ جاد الحق وغيرهم.

(43) السيل الجرار – للشوكاني- ح2 ص577.

(44) تفسير المراغي – ح2 ص 133.

(45) مجلة الأزهر – السنة 63، ص 617.

(46) النساء (97).

(47) العنكبوب (56).

(48) انظر: فتاوي وقرارات الدورة العادية السادسة عشرة، للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ص 302- المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العددان 10، 11، الجزء الثاني، مايو 2007م، جمادي الأولى 1428هـ.

(49) المصدر السابق ص 303

(50) يوسف (55، 56)

(51) روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني – ج3 ص 5

(52) الحكومة الإسلامية- أبو الأعلى المودودي – ص 65

(53) المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية – عمر الأشقر – دار النفائس، عمان – ص74.

(54) راجع: المصدر السابق، ص 58

(55) صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصاري– باب موت النجاشي – ج (3877) وصحح مسلم: كتاب الجنائز – باب في التكبير على الجنازة – ج (953)

(56) الإصابة في تمييز الصحابة – لابن حجر العسقلاني - ج1 ص 109

(57) مجموع الفتاوي – ص 20 ص 218.

(58) الولاء والبراء في الإسلام – محمد سعيد القحطاني – ص 89.

(59) الجامع لأحكام القرآن – للقرطبي – ج 9 ص 108.

(60) قواعد الأحكام في مصالح الأنام – للغز بن عبد السلام – ح1 ص73.

(61) تفسير المنار – محمد رشيد رضا – ج1 ص 408.

(62) البقرة (278).

(63) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج1ص 1277- 1279.

(64) بداية المجتهد، ج2، ص 142، 143.

(65) مثل صيغ المعاملات الشرعية التي تستخدمها البنوك الإسلامية، مثل: بيع المرابحة للأمر بالشراء، بيع التقسيط، إنشاء بنوك إسلامية في الدول الأجنبية للتعامل في شراء العقارات بدون الحصول على الفوائد الربوية المحرمة.

(66) راجع أعلام الموقعين، ابن القيم. ج2، ص 135، 136، وانظر/ محمد الشحات الجندي، فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث، ص 27.

(67) السياسة الشرعية، ص 25.

(68) الروم (1-2).

(69) المبسوط، ج14، ص 56، 57.

(70) البقرة: 173.

(71) فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث، ص29.

(72) أبحاث المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية، بحوث اقتصادية وتشريعية، ص 264

(73) قرار المجمع في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10- 16 ربيع الثاني 1406هـ الموافق 22- 28 ديسمبر 1985.

(74) الأنعام (119)

(75) الأنعام (145)

(76) الحج (78)

(77) المائدة (6)

78) راجع: قضايا الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية – محمد الشحات الجندي – ص61

(79) راجع: قضايا الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية، ص 51: 67

(80) صحيح البخاري: كتاب الجهاد – باب فضل الجهاد والسير – ج رقم 2783. وصحيح مسلم: كتاب الإمارة – باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد – ج رقم 1864.

(81) الأعراف (128).

(82) الأنبياء (105).







مصـــادر البحـــث


1- الأشباه والنظائر – لابن بخيم – تحقيق: محمد مطيع الحافظ – دار الفكر، دمشق.


2- الأشباه والنظائر – للسيوطي – دار الكتب العلمية، بيروت.


3- الأقليات المسلمة في العالم: ظروفها المعاصرة، آلامها وآمالها- مجموعة من العلماء – دار الندوة العالمية.


4- أولوية الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة – يوسف القرضاوي – مكتبة وهبة – ط (5)، 1421هـ/ 2001م.


5- التجديد في الفكري الإسلامي – أبحاث المؤتمر العام الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1423هـ/ 2002م.


6- تفسير المنار – محمد رشيد رضا – الهيئة المصرية العامة للكتاب،


سنة 1972م.


7- الجاليات الإسلامية في أوروبا الغربية، مشكلات التأقلم والاندماج – مجموعة من العلماء – دار النفائس، بيروت.


8- حكم مشاركة الإسلاميين في نظام غير إسلامي- راشد الغنوشي –


منشور في كتاب: مشاركة الإسلاميين في السلطة، لعزام التميمي.


9- الحكومة الإسلامية – أبو الأعلى المودودي – المختار الإسلامي –


ط(1)، 1397هـ/ 1997م.


10- شرح الكوكب المنير- بن النجار – تحقيق: محمد الزحيلي وغيره –


مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.


11- فتح الباري بشرح صحيح البخاري – لابن حجر العسقلاني – تحقيق:


عبد العزيز بن باز – دار الفكر، بيروت.


12- فقه الأقليات المسلمة – خالد عبد القادر – دار الإيمان، طرابلس –


ط(1)، 1998م.


13- في فقه الأقليات المسلمة – طه جابر العلواني – سلسلة في التنوير الإسلامي (52) نهضة مصر عام 2000م.


14- في فقه الأقليات المسلمة – يوسف القرضاوي – دار الشروق، ط (1)، 1422هـ/ 2001م.


15- قضايا الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية – محمد الشحات الجندي – سلسلة قضايا إسلامية (161) – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام 1429هـ- 2008م.


16- القواعد الفقهية – على أحمد الندوي – دار القلم، دمشق.


17- مجموع الفتاوى – لابن تيمية – طبع دار الحديث بالقاهرة.


18- مقاصد الشريعة الإسلامية – محمد الطاهر بن عاشور – الشركة التونسية للتوزيع، سنة 1978م.


19- منهاج السنة – لابن تيمية – المطبعة الأميرية، ط (10)، 1321هـ.


20- الموافقات في أصول الشريعة – للشاطبي – تحقيق: محمد عبد الله دراز – دار المعرفة، بيروت.


21- نحو فقه جديد للأقليات – جمال الدين عطية محمد – دار السلام، القاهرة – ط (1)، 1423هـ/ 2003م.


22- النظام السياسي للدولة الإسلامية – محمد سليم العوا – دار الشروق، القاهرة، ط (7)، 1989م.


23- نظرية الإسلام السياسية – أبو الأعلى المودودي – دار العروبة للدعوة الإسلامية، الهند.


24- نيل الأوطان – الشوكاني، دار الفكر، بيروت.


25- الولاء والبراء في الإسلام – محمد سعيد القحطاني – دار المعرفة، 1412هـ.


***********
مليون نسمة